عبد الكريم عبد السلام عبد الرحمن

كتب السيد عادل عبد المهدي مقالا هاما عن تطبيق السنن التاريخية على الأنظمة السياسية في العراق، وخلاصة المقال هو  التحذير من تجربة العملية السياسية الحالية قد تكون مشابهة لتجارب حكم قاسم والبعث 63 وحكم الأخوين عارف 1963 ـ 1969، هذه الفترات الثلاثة التي تميزت بقصر فترة الحكم فيها، بالرغم من عداء الشعب او تعاطفه مع بعضها ، إلا انها أنتهت بسرعة لظروف موضوعية متواجدة حاليا في المشهد السياسي الحالي بكل تجلياتها وصورها.

عبد المهدي أطلق تحذيرا يؤكد فيه أن مايجري حاليا تقريبا هو نفس ما حصل آنذاك من عدم إستغلال للفرص والظروف المناسبة، مما أدى الى إنهيار تلك الأنظمة بسرعة، في وقت حاول نظام البعث البكر ـ صدام ، لتجاوز نقاط الضعف المشار اليه فإستطاع بناء على ذلك البقاء في الحكم لقرابة 40 عاما متتالية.

وحذر عبد المهدي بأنه مالم تتدارك القوى السياسية الفاعلة الأخطاء الكارثية الحالية وهي نفس اخطاء الفترات المشار اليه فستكون النتيجة الحتمية للعملية السياسية هي نفس نهاية  حكم عبد الكريم قاسم، او نهاية حكم عارف ـ البكر 1963، او نهاية حكم عبد السلام واخوه عبد الرحمن عارف، من خلال التغيير القسري او الإجباري وبقوة السلاح مع تضامن الجماهير مع ذلك.

وقال عبد المهدي : عاش “نظام البعث” 35 عاماً رغم قمعه المتناهي.. وقبله عاش “النظام الملكي” 37 عاماً، بينما لم يستمر “الحكم القاسمي” و”البعث الاول” و”العارفين” سوى 5 سنوات، 9 اشهر و5 سنوات على التوالي.. فالنظم الثلاثة لم تستطع نسج شبكة علاقات مؤثرة داخلية وخارجية ترتكز عليها وتحميها. ورأى ان “النظام القاسمي” امتلك قاعدة شعبية واسعة في بدايته، واجه بها الهجمات الشرسة الغربية، والقومية العربية، والشاهنشاهية. وبدل تفكيك جبهة اعدائه وتوسيع قاعدته سار بالطريق المعاكس، ففتح معركة مع الكرد والشيوعيين، وحرك قواته نحو الكويت، وتلكأت علاقاته بالسوفيات، فاسقطته المؤامرات، ولم تدافع عنه حقيقة سوى جماهير “مدينة الثورة”، التي وزع على سكانها دوراً مجانية.

كما لم يصمد “بعث 63” رغم القمع الذي استخدمه انذاك، بعد ان اندلعت الحرب مجدداً في كردستان، وتفككت علاقاته بالقوى القومية، اضافة لمعركته منذ البداية بالقوى الشيوعية، ولم يتمكن من بناء علاقات جيدة مع معظم الدول العربية، وخسر السوفيات ولم يبن علاقات جدية مع الغرب، كذلك شأن نظام “العارفيين”.

لكنه عبر عن قناعته ، انه “كانت قوى النظام الملكي الداخلية والخارجية واضحة وشبه ثابتة، وتقوم على النخبة العثمانية وملاك الارض وتجار المدن، وعلى محاربة الشيوعية والموجة الناصرية، والانتماء الواضح للمعسكر الغربي ومشاريعه، كـ”حلف بغداد”.

وتطرق الى “نظام “البعث” (1968) فيبدو واضحاً انه اعطى لشبكات المصالح والعلاقات اهتماماً كبيراً، لا يقل عن تعزيز ادوات السيطرة والقمع. فخلافاً لمنهجه عام 1963، بدأ هذه المرة بعلاقات وثيقة عبر الجبهة التي اسسها مع الكرد وتعزيز ممارسة الحكم الذاتي، وعلاقات جيدة بالشيوعيين والقوميين واعطائهم مناصب وزارية.. كما سعى للانفتاح على السوفيات، وبدأ بكسب الدول العربية وجمهورها ومثقفيها واعلامييها عبر عطاءاته السخية واطروحاته القومية.. في فترة هُزم فيها عبد الناصر (1967)، ومجيء السادات، وانفتاحه على “اسرائيل”.. فصارت بغداد محوراً “لجبهة الرفض”.

واستطرد عبد المهدي “عندما عزز وضعه الداخلي والخارجي انقلب على الشيوعيين والكرد، وصولاً لاتفاق الجزائر مع شاه ايران (1975).. والذي قاد لانتكاسة الثورة الكردية. بل بدأ صدام بتطوير علاقاته بالغرب عموماً، خصوصاً فرنسا واسس صداقة شخصية مع الرئيس شيراك.. وتوسعت المصالح والعلاقات مع الصدمة النفطية في السبعينات ودخول موارد عظيمة للبلاد.. مما جعل العراق قبلة المستثمرين الغربيين والشرقيين والاسيويين واللاثينيين والعرب، وما يرافقها من مصالح محلية.. بل تحول صدام الى جبهة امامية للصراع مع ايران بعد انتصار الثورة الاسلامية، واصطف معه الجميع تقريباً بما فيهم امريكا، حتى ارتكب خطأه القاتل باجتياح الكويت، وخضوعه للعقوبات والحصار، فهجرته معظم القوى العراقية، ولم يبقَ معه من مصالح جدية سوى اصحاب “كوبونات النفط” والمهربين والسماسرة.

اضافة لهواجس الدول من ايران والتداعيات المستقبلية، وهو ما يفسر موقف “الجنرال شوارزكوف” الذي ساعد في قمع صدام لانتفاضة شعبان/اذار. ثم تطرق عبد المهدي الى الفترة الحالية ، وقال “قاد تغيير 2003 لانهيار معادلة كاملة داخلية وخارجية.. فوقفت ضده قوى غير قليلة، وانطلقت تحركات مسلحة واعمال ارهابية ترعاها دول كثيرة.

لكنه فتح ايضاً فرصاً ذهبية، من دعم شعبي منقطع النظير، وعلاقات ومصالح مع الكثير من الدول العربية وايران وتركيا وروسيا والصين والولايات المتحدة ومعها حلفائها وغيرهم. لم نتعامل مع هذه التطورات بنضج كافٍ. واستولت علينا الخطابات وصراع المواقع دون تشخيص اهمية المصالح والعلاقات. فصار همنا رد التهمة بالشعار والانفعال بدل صناعة النجاح بالحدث والواقع.

واضاف “صار بعضنا يسعى للفوز بالانتخابات في الجنوب بتأجيج العواطف ضد الكرد او السنة، والعكس صحيح ايضاً.. وصار شتم ايران والسعودية وتركيا والولايات المتحدة او غيرها من قوى سبيلاً للتعبئة اللفظية حسب حاجيات كل ساحة، ومعولاً لهدم العلاقات النافعة. سيطر علينا العقل التآمري والشعبوي والجاهل، الذي يعرف ماذا يهدم وكيف يخسر الاصدقاء، ويؤلب الاعداء، ويعطل المشاريع والاصلاحات الكبرى.. دون ان يتعلم كيف، وماذا يبني. وكيف ينسج ويعزز شبكة العلاقات والمصالح الداخلية والخارجية.. فضعفت علاقاتنا بجماهيرنا وحلفائنا.. وزرعنا الشك في قدراتنا ورجاحة عقولنا.. وضربنا ارقاماً قياسية في هدر الاموال والفساد وبذر الخصومة وتفويت الفرص والمصالح والعجز عن البناء وتقديم الخدمات..

لذلك طبيعياً ان تتفجر الازمات وما لم نعِ ما نفعل ونصححه جذرياً، فالسنن وقوانين الاجتماع والسياسة ستفعل فعلها، شئنا ام أبينا.

Facebook Comments