تغجبر الكرادة

يبدو أن دول العالم أجمع خاصة الغربية منها تعودت على شكل الدماء والدمار والخراب الناتج عن الإرهاب في العراق، فلم تهز أخبار الانفجارات والقتلى في بغداد والكرادة مشاعرهم الإنسانية، ولاتنال منهم الاهتمام حتى لو تعدى حصيلة القتلي المئات، وفى المقابل عندما تلتهم نار الإرهاب مدن أوروبا وأمريكا يتوشح العالم بالسواد حدادًا ، لتبدأ التحذيرات والدعاوي لتجميع الجهود لمحاربة ومكافحة الإرهاب، الأمر الذي يشير بوضوح إلى أن هناك ازدواجية في المعايير الدولية لم تقتصر على قضايا المنطقة، بل شملت أيضًا المواقف الإنسانية.

ويعتبر حادث الكرادة الذي شهدته العراق الأحد الماضي الأكثر عنفًا ودموية منذ عام 2003 بعد الغزو الأمريكي للعراق بحسب فرانس 24، حيث حصد الحادث بحسب مسؤولين أرواح 213 شخصًا على الأقل وأصيب 200 آخرون، وعلى الرغم من ذلك يبدو أن هذا التفجير المروع رغم قسوته لم يهز المجتمع الدولي والذي يبدو أنه قد اعتاد العنف في بغداد والتفجيرات منذ زمن بعيد، حيث كان رد الفعل فاترُا تجاه أسوأ هجمة نفذتها داعش في الشهور الماضية، فيما تأثر المجتمع الدولي بشكل واسع بالهجمات الإرهابية التي وقعت في تركيا وبنجلاديش وأمريكا بأورلاندو والتي قلت كثيرًا في الأضرار البشرية والمادية عما حدث في بغداد والكرادة.

وفي هذا الصدد قالت صحيفة الإندبندنت: «عدة هجمات مروعة نفذتها داعش خلال الأسابيع القليلة الماضية حظيت باهتمام وتعاطف دوليين، لكن تفجير بغداد الأخير لم يحظَ بقدر يسير من هذا التعاطف رغم أنه الهجوم الأسوأ من نوعه مؤخرًا”، ووجهت انتقاداً لاذعًا للصحافة الغربية، قائلة إن “مآسي بغداد لا تجتذب سوى تعاطف عالمي أخرس”، ليكشف تقرير الإندبندنت أننا أمام عالم يتحد في التنديد بالإرهاب والتعاطف مع الضحايا الغربيين، لكنه لا يكترث بالمجازر شبه اليومية التي ينفذها التنظيم في الشرق الأوسط، مثلما يحدث في العراق وسوريا يوميًّا.

فبينما اجتاحت أخبار التفجيرات الأخيرة في العواصم الأوروبية الفضائيات والمجلات والصحف ووكالات الأنباء وصفحات التواصل الاجتماعي، ظلت نفس هذه الشبكات صامتة أو متناولة الانفجارات والمجازر التي ترتكب على يد عناصر داعش يوميًّا في العراق بشكل عادي. يقول إيشان ثارور كاتب مقال الإندبندنت “من غير المرجح أن يثير هجوم بغداد نفس كم الذعر في الغرب كالهجومين السابقين، وهو الأخير في سيل من المآسي التي تطوق العاصمة العراقية”، مضيفًا “لقد أصبحنا تقريبًا صمّا عند سماعنا عن العنف في بغداد، فالتفجيرات المميتة للسيارات لا تستحضر هاشتاج، ولا صورًا شخصية على فيسبوك بالعلم العراقي، ولا أسامي وقصص حياة الضحايا على الصفحات الرئيسية للجرائد الغربية، ولا تجتذب سوى تعاطف عالمي أخرس”.

وتابع ثارور : “كان 45 شخصًا على الأقل لقوا حتفهم في هجمات مطار أتاتورك بإسطنبول فى 28 يونيو الماضي، فذُعر العالم؛ لأن المطار هو إحدى أهم المحطات في أوروبا والشرق الأوسط وأكثرها تحصينًا، فتساءل المذيعون الأمريكيون هل مطاراتنا آمنة؟ هل يمكن أن يحدث هذا في يوم الاستقلال الأمريكي يوم الرابع من يونيو؟”، كما حدث نفس الذعر عندما شن مسلحون هجومًا على مقهى في دكا، عاصمة بنجلاديش، وقتلوا 20 شخصًا على الأقل، معظمهم إيطاليون ويابانيون، بالإضافة إلى عدد من الطلبة الأمريكيين، فأثار الحادث الاهتمام، وقال الخبراء إن داعش آخذ في النمو إلى خارج الشرق الأوسط، وإن الأجانب في خطر بكل أنحاء العالم الإسلامي.

وبعد الاعتداءات الدامية التي وقعت في في أورلاندو وتركيا مؤخرًا اهتز العالم وكثر البكاء وارتفعت أصوات الاستنكار والتنديد بشكلٍ كبير، حيث ندد رؤساء الدول والحكومات  بهذه الهجمات، كما قدموا مواساتهم وعبارات التعازي والأسى لعوائل الضحايا، وعبروا عن تضامنهم، وفي نفس الوقت لم يأخذ حادث العراق الذي يوضح وحشية تنظيم داعش نفس الاهتمام الدولي، حيث ندد الكثير من السياسيين في العراق بالتغاضي الدولي عما يفعله التنظيم في العراق، بينما يعلو الصوت والتنديد والتحذيرات عندما يبث التنظيم الإرهابي سمومه في إحدى الدول الأوروبية والغربية.

المصدر / رؤية / بقلم الكاتب المصري : محمود أحمد

Facebook Comments