جبهة النصرة 1

المحلل السياسي / باسم العوادي

حملات إعلامية خليجية كبرى للتبشير بأهمية قرار جبهة النصرة فك إرتباطها بالقاعدة قبيل إتمام الإتفاق الروسي الأمريكي، الذي يهدف الى فصل جماعات ما تسميه أمريكا “بالمعارضة المعتدلة”، عن جبهة النصرة و داعش، ثم مطالبة تلك الجماعات بالخروج من الأراضي التي تسيطر عليها هاتين الجماعتين ليتم قصفهم وتدميرهم لاحقا. 

ليست هي المرة الأولى التي يطرح فيها موضوع فك الإرتباط بين جبهة النصرة وقاعدة الظواهري، الذي أظهرت رسائله المتلفزة الأخيرة وكأنه مصاب بالزهايمر، فمع بوادر سابقة لغضب دولي أو مشروع ما للتخلص من داعش والنصره يقفز للواجهة مشروع فك الإرتباط بالقاعدة ، ذلك الإرتباط الذي تحاشاه الجولاني كثيرا، لكنه اضطر إلى إعلان بيعته لزعيم القاعدة أيمن الظواهري في نيسان/ أبريل 2013، ردًا على قرار “أبي بكر البغدادي” القاضي بدمج دولة العراق الإسلامية وجبهة النصرة تحت اسم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، بمعنى أن هناك من خدعه والنصره وخوفه من خطوات البغدادي فوقع في فخ الإرتباط ليكون إرهابي موثق لكي لا يتمرد مستقبلا على صانعيه.

أذن فأن فك الإرتباط المزعوم ليس عن قناعة تحول إيديلوجي أو وطني، وإنما هو عبارة عن خطة سياسية عسكرية مخابراتية كمحاولة للخروج من مأزق الإتفاق الروسي الأمريكي، الذي يراد منه التخلص من النصرة او جزءا مهما منها وإبقاء جزء آخر.

والأكثر فكاهة هو الترويج لحادثة تأريخية ستحصل خلال الأيام الحالية وهي ان زعيم جبهة النصرة الإرهابي “أبو محمد الجولاني” سيكشف عن وجهه معلنا فك الإرتباط مبشرا الشعوب العربية بأنه سيتغير أسم التنظيم ايضا لكي يتامش مع الدور الجديد المرسوم؟!

فالدور القديم كان يتطلب ان يلبس الأسود ويتسلح بالسكين وينحر الرقاب ويقيم الشرع ويحَكم الإسلام ويكون فرعا للقاعدة والظواهري في سوريا، لكي يتم كسب المزيد من الشباب والرجال ممن يودون الإرتماء بحضن القاعدة لكي يتم استثمارهم في قتل الشعب السوري وتدمير جيشه وبناه التحتية تحت يافطة الجهاد، ثم تربيتهم كعبيد القصاص للسيطرة على حكم سوريا كتابعة لدول خليجة بواسطة هذه الأذرع المشبوهة ، أما الدور الجديد ومادمنا قد وصلنا اللى مفاوضات جنيف واتفاق استخباري روسي أمريكي مفترض لتقاسم النفوذ بعيدا عن الأذرع المخابراتيةالخليجية او التركية ومنها النصرة ، فهذا الدور يتطلب الكثير من المكياج المدني والوطني، وهذا بدوره يتطلب فك الإرتباط بالقاعدة رسميا لعزل وفرز من يرفض هذا القرار فيتم تصنيفه على كونه قاعديا متطرفا فيقتل غير مأسوفا عليه ، ثم للتأثير على الراي العام العالمي بأن جبهة النصرة قد تحولت من التطرف الى الإعتدال الذي يستوجب موقفا جديدا من العالم تجاهها، وهذا يتطلب أيضا أن يسفر الجولاني عن وجه ويلقي بعصابته السوداء قرب أقرب بيت للخلاء ويظهر مبتسما بلحية مشذبة وإبتسامة عريضة وربما ببدله أنيقة لكي يتحدث عن الوطن ورفض العنف وتفرز له الفضائيات لقاءات مطولة لكي يحدث الشباب السوري عن رحلته الشيقة والممتعة في التحول من التطرف الى الإعتدال ومن التبعية للوطنية ، أما من قتلهم هو وجبهته الإرهابيه من السوريين ، فهؤلاء لا تثريب عليهم لأنهم كانوا حطبا لكي يكتشف الجولاني ومعه النصرة أهمية الإعتدال مؤخرا . 

الموضوع بغاية البساطة، كبسة زر، تجعلك ترتبط بالقاعدة وتكون فرعا لها ومنفذا لسياساتها، ثم كبسة زر اخرى تجعلك تخرج منها وتعود الى أحضان الوطن وتنزع جلد النمر او التمساح وترتدي صوف الخروف أو جلد الحمل الوديع، فالناس بسطاء لايتذكرون شيئا وعليهم بما يجدوه أمام أعينهم حاليا أما الماضي فيذهب مع أهله وأحداثه.

أمام هذه القصة الجديدة “فك الإرتباط” يكتشف العالم حقيقة جديده وهي ان المشكلة ليست في الإرهاب وفكره وايديلوجيته وعناصره ومروجيه وأحزابه وجبهاته وقادته في المنطقة والدول الراعية له والمذاهب التي نتج عنها ، وإنما المشكلة في “كبسة الزر”، التي كشفت ان كل شيء يحدث هو بواسطة “كبسة زر” في غرفة ما ، وان التفجيرات في باريس المانيا وطوكيو وغيرها هي بكسبة زر أيضا ، وإلا كيف يمكن ان يعقل ان كبسة زر واحدة ستحول جبهة النصرة بجيشها ذو الآلاف من ارهابيين الى معتدلين؟! لايمكن ان توقف هذه الهجمات الإرهابية، والأدهى لماذا يسكت الغرب على الغرفة المظلمة التي يوجد فيها هذا الزر؟!

Facebook Comments