انور عشقي ودور جولد

المحلل السياسي / باسم العوادي

خلال مؤتمر في واشنطن منظم من قِبل مجلس الشؤون الخارجية الأمريكي قام أنور عشقي، لواء سعودي متقاعد ورئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات السياسية والإستراتيجية بجدة، وبحضور ودور جولد، المدير العام لوزارة الشؤون الخارجية الإسرائيلية، بطرح خارطة طريق متكاملة على مضيفه الإسرائيلي، مكونه من سبعة مراحل سياسية، يمكن ان تكون كإتفاقية عالمية جديدة تحل محل إتفاقية سايكس ـ بيكو ، التي يجري الحديث عن إفولها وإنتهاء مدتها ووجود ترتيبات لإتفاقية جديد تطبخ على نار هائدة لتحل محلها وان احتاجت الى بعض الوقت حاليا.

تحدث أنور عشقي أولًا واضعا خريطة طريق كامله للعمل المخابراتي الذي يمكن ان يجمع إسرائيل والسعودية، في المنطقة عموما، ملحما الى ان ذلك العمل السري يمكن اي يتحول الى مشروع عمل علني فيما اذا تم تطبيع العلاقات بينهما بعد إجراء بعض الترتيبات التي يتم العمل على تجاوزها حاليا.

وخلال حديثه أشار عشقي الى ثلاث حقائق اقتصادية جديد يجري الترتيب لها حاليا على المستوى السياسي  “حقل نفطي واعد في الربع الخالي، سوف يلزم دول مجلس التعاون الخليجي واليمن أن تتحد لحمايته وحماية مكتسباتها”، وأضاف “أما حقل أوغادين الواعد في أفريقيا فسوف يوحد القرن الأفريقي برئاسة إثيوبيا، وسوف يتم بناء جسر بين القرن الأفريقي والجزيرة العربية هو جسر النور، الذي يربط بين مدينة النور في جيبوتي واليمن.

بمعنى أنه أشار الى ثلاث مرتكزات جيوسياسية واقتصادية لابد من ربطها ببعض لتكون كمحركات للمشاريع السياسية القادمة التي لابد من ربطها معا انطلاقا من الربع الخالي الى اثيوبيا ثم جيبوتي ثم اليمن، وهذا ما يتطلب أنهاء الحرب اليمنية أولا ، وفصل اليمن الجنوبي ثانيا لتنفيذ مشروع ربط جيبوتي بعدن ، ثم الاستعداد للتواصل مع أثيوبيا التي ستصبح مرتكز القوة في بدل مصر في افريقيا خلال المرحلة المقبلة، ولعل مشروع الجسر الرابط بين السعودية ومصر هو مقدمة لهذا المشروع المستقبلي.

ثم قدم عشقي سبع خطوات كخارطة عمل يمكن ان تجمع السعودية وإسرائيل قابلة للتعاون بينهم، الأول: تحقيق السلام بين العرب وإسرائيل، الثاني: تغيير النظام السياسي في إيران، الثالث: وحدة مجلس التعاون، الرابع: تحقيق السلام في اليمن وإحياء الميناء الحر في عدن، الخامس: إنشاء قوة عربية بمباركة أوروبية وأمريكية لحماية الدول الخليجية والعربية والمحافظة على الاستقرار، السادس: السرعة في إرساء قواعد ديموقراطية بثوابت إسلامية في العالم العربي، السابع: العمل على إيجاد كردستان الكبرى بالطرق السلمية، لأن ذلك سوف يخفف من المطامع الإيرانية والتركية والعراقية”.

لاريب ان هذه النقاط السبعة، هي ملامسة واقعية للمشاريع الإسرائيلية بل للوجود الإسرائيلي بالكامل في المنطقة، فهي خارطة طريق متكاملة لإعادة صياغة المنطقة بالكامل ـ جغرافيا وسياسيا واقتصاديا وفكرياــ  بل هي مقترح لسايكس بيكو جديد، يحاول عشقي ان يقنع صناع القرار الإسرائيلي به وان الأفضل هو ان تقوم كلا من السعودية وإسرائيل بهذه الخطوة كدول قوية ومؤثرة في المنطقة لتحقيق مصالحهما بدل ان تفرض عليها خارطة جديده من الخارج قد لا تصب في تحقيق مصالحهما معا.

والظاهر ان هذه الخارطة السعودية قد نالت استحسان الجانب الإسرائيلي مقدما ودفعته لتوجيه دعوة لعشقي لزيارتها والتدارس حولها بعد أن قدمت السعودية دلائل مادية على انها تعمل بصورة دؤوبه عليها ابتداء من محاولتها حل الأزمة اليمنية، مرورا بمساعيها لفصل اليمن الجنوبي، وتبنيها للمعارضة الإيرانية ودعوتها رسميا لإسقاط النظام الإيراني من خلال الأمير تركي الفيصل في باريس، أما بقية عناصر المشروع فهي بحاجة الى تعاون إسرائيلي لكي تتحقق بالكامل.

ويحمل حديث أنور عشقي في طياته العديد من الأمور المثيرة للجدل والتي لم يتم التناقش فيها من قبل بشكل علني؛ أولها طرح فكرة تحقيق السلام بين العرب وإسرائيل، فقد كان هذا من الأمور التي لم يكن يتجرأ على طرحها أو مناقشتها، بل ما كان يُروج هو عكس ذلك تمامًا، وهو أن الاعتراف بإسرائيل كدولة أمر غير مقبول تمامًا وأن الأنظمة العربية تقف إلى جانب الفلسطينيين، وما اقترحه أنور عشقي يكشف عن أن ذلك كان مجرد ادعاءات مزيفة لكسب رضا الجماهير.

وترجع أهمية إسرائيل للنظام السعودي إلى حرب 1967، عندما كان جمال عبدالناصر يمثل تهديدًا لكل من السعودية وإسرائيل بإرساله حوالي 70 ألف جندي إلى اليمن لدعم الجمهوريين في اليمن وإعلانه عن عزمه لإشعال الثورة الجمهورية في شمال اليمن لمهاجمة السعودية، ونشأ تحالف سعودي إسرائيلي بريطاني للقضاء على الثورة في اليمن، وكان دور إسرائيل يقتضي إرسال الأسلحة والإمدادات مرورًا عبر الأراضي السعودية لدعم القوات الملكية ضد الجمهوريين.

وفي عام 1981 عندما دمرت إسرائيل البنية التحتية النووية للعراق بالطيران عبر الأردن والسعودية، الأمر الذي أراح السعودية وعدد من الدول العربية الأخرى من خطر صدام حسين المحتمل إذا ما أصبح يملك أسلحة نووية، وبشكل مشابه تدمير البنية التحتية النووية في سوريا في عام 2007، مزيحًا خطر النظام السوري الذي كان يمثل خطرًا على النظام السعودي.

إلا أن إيران تَعد أقوى ما يوحد العلاقات بين السعودية وإسرائيل، فكلا الطرفين ينظر إلى إيران على أنها الخطر الأكبر له وللمنطقة، وتحديدًا فيما يخص تطوير إيران للأسلحة النووية والصواريخ الباليستية، وقد ازدادت حدة الانتقادات الصادرة من السعودية وإسرائيل ضد إيران على وتيرة واحدة وبأسلوب متشابه خصوصًا بعد الإتفاق النووي، والذي اعتبرته كلا منهما صفقة إيرانية ـ أمريكية وتقارب في العلاقات الأمريكية – الإيرانية، كما أن ازدياد التأثير الإيراني في المنطقة في العراق وسوريا ولبنان واليمن من الأمور التي تزيد من التوافق السعودي الإسرائيلي بخصوص الخطر الإيراني.

وقد أوضحت قناة تلفزيونية إسرائيلية في فبراير من هذه السنة أن السعودية على استعداد للسماح للطائرات الإسرائيلية بالعبور عبر مجالها الجوي لمهاجمة إيران إذا اقتضت الضرورة، وكان الشرط هو أن يكون هناك “نوع من التقدم” فيما يخص القضية الفلسطينية.

وتَعد كلمة أنور عشقي أيضًا سابقة غير معهودة، فهذا اللقاء بين شخصية سعودية وأخرى إسرائيلية والذي ظهر فيه توافق تام في المصالح بين الطرفين لم يكن من الممكن أن يتم خلال الأعوام الماضية أو حتى خلال الشهور الماضية، وحسب ما أوضحته صحيفة بلومبيرج الأمريكية فإن هذا اللقاء جاء بعد خمسة لقاءات سرية بين السعودية وإسرائيل تم فيها مناقشة قضايا إقليمية أهمها قضية إيران.

من هنا يتضح ان السعودية ليست عازمة على التساهل مع إسرائيل خوفا من إيران فقط ، وإنما أن لديها مشروع متكامل لإبتلاع المنطقة مناصفة مع إسرائيل بالكامل، وانها مستعدة لطرحه بهذا الشكل العلني أمام انظار إسرائيل والدول الأخرى ومستعدة للعمل على تحقيقة بكل قوتها ومالها فيما اذا إنساقت إسرائيل معها وخلف مشاريعها ، والمنطقة حسب هذه الرؤية السعودية لن تستقر مالم يكن نصفها الشمالي تحت حماية الصهاينة ونصها الجنوبي تحت حماية الوهابية.

Facebook Comments