حزب الله ودول الخليج

المحلل السياسي / باسم العوادي

ثلاث مبادرات ستراتيجية طرحت خلال الأسبوع الماضي، أحدهما من وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، باتجاه روسيا ، والثانية من رجل الاستخبارات السعودي، أنور عشقي، تجاه إسرائيل، والثالثة من السيد حسن نصر الله، تجاه السعودية، وكل مبادرة تعتبر مشروع سياسي للحل في المنطقة ولكن من خلفيات مختلفة او متقاطعة، فما الفارق بينها؟ وكيف عكست كل مبادره عن عقلية المحور التي تمثله ؟!

السعودية ومبادراتها للعدو  والبعيد:

توجهت السعودية بمبادرة مباشرة الى روسيا وبصورة علنية قائمة على رشوه سياسية وإقتصادية مفادها أنضموا الينا وسنعطيكم ما تشاؤون مقابل إسقاط حكم الاسد في سوريا، المبادرة بطريقتها العلنية أحتوت على إهانة سياسية كبرى لروسيا والإنسان الروسي، حيث أظهرته وكأنه إنتهازي لامبادئ له وهو يباع ويشترى في الأوقات الحرجة، وما دام الوقت حرجا فالسعودية تبدي إستعدادها لشراء ما تتاجر به روسيا منذ 5 سنوات، او تحديدا من يوم مشاركتها العسكرية المباشر في سوريا آواخر العام الماضي.

وبالتناسق مع هذه المبادرة العلنية السعودية لروسيا ، كانت هناك خط آخر سعودي يتحرك بمبادره تجاه إسرائيل بنفس الوقت قادها مسؤول ملف التقارب الإسرائيلي ـ السعودي، الجنرال أنور عشقي، مفادها من خلال ما طرحه عشقي علنا أيضا هي التعاون بين السعودية وإسرائيل لتفتيت العراق وسوريا واليمن وإسقاط النظام الإيراني ومجموعة أفكار اخرى، وبمقدار ما انطوت المبادرة الأولى على اهانة للروس، احتوت المبادرة الثانية على إهانة وإستهانة بالعالم الإسلامي والعرب ـ أنظمة وشعوب ـ وفلسطين.

المبادرتان السعوديتان، وبهذه الطريقة الإستعراضية دلاله وعلامة فارقة على مقدار الحرج والضيق السياسي الذي تعيشه السعودية كقيادة داخليا وخارجيا، كلا المبادرتين تؤكدان على أن السعودية ليست منفعله أو متأثره فقط ، بل أكدت على أنها فاقدة للبوصلة تماما، وأنها جاهزة لفعل اي شيء مقابل ان لاتهزم، وأنها قد وضعت في حسبانها أن تتعامل مع الشيطان لتدمر كل شيء في حين لم تضع في حسابها أول مبدأ سياسي عقلائي يمكن ان تقدم عليه كل دوله وهو مبدأ التفاوض الفعلي والقبول أن لم بالحل الكامل بإنصاف الحلول، والمعركة التي تخرج منها وانت تكسب شيئا قليلا هي افضل الف مرة من المعركة التي تخرج منها وانت خاسر لكل شيء.

السعودية كانت مستعدة ان ترشي روسيا الواقعة ما بعد القارات دون ان يكون لديها استعداد للتحدث مع إيران قدرها المشاطئ التاريخي ، والسعودية كانت جاهزة ان تتعاون مع عدوها وعدو المسلمين والعرب ـ إسرائيل ـ مقابل ان لا تتحدث مع أشقائها في العراق وسوريا واليمن وجيرانها، وتعكس بجلاء عن طبيعة العقلية التي تحرك المحور السعودي ومن يتعاون معه وهو مستعد لضرب كل إركان الإستقرار في المنطقة والذهاب بها وبإنفعالية للمجهول بدون ترك خط رجعه عقلائي متمثل في الحوار التفاوض المباشر.

نصر الله ومبادرته للقريب:

في المقابل جاءت مبادرة السيد حسن نصر الله، في الإتجاه المعاكس تماما لما طرحه الجبير على روسيا، او عشقي على إسرائيل، حيث توجه بالخطاب للسعودية نفسها، طارحا أمامها الحوار والتفاوض مع محور المقاومة مباشرة لكي تبقى كدولة مؤثرة في المنطقة وتخرج من التفاوض بحصة مقبولة وتحافظ على كيانها ووجودها وفاعليتها.

لم يخاطب نصر الله البعيد كروسيا ولا العدو كالصهاينة لكي ينقض على حكم آل سعود في المملكة، ولم يطالب بإزالتهم كما فعل تركي الفيصل في مؤتمر باريس، حينما طالب بإزالة النظام الإيراني، ولم يدع لتفتيت المنطقة بالكامل كما فعل أنور عشقي المكلف من حكومته بذلك، ولم يهدد السعودية بحرب لانهاية لها ، وإنما عرض عليها مقابل عروضها الإنفعالية ان تجلس بهدوء وروية لطاولة التفاوض بين أهل المنطقة وأهم أدرى بشعابها من غيرهم.

ما ضر السعودية لو أستمعت لطرح نصر الله، وان كانت تخوض معه حربا بالوكالة وتعتبره عدوها الأول ، وما ضر السعودية لو تعلمت فنون السياسية على أصولها وقامت بالخطوة الصحيحة وحاورت إيران بصورة مباشرة وجديه أو بواسطة أطراف موثقة وهي كثيرة وبعضها قريب للسعودية أيضا.

إن مبادرة نصر الله بدعوة السعودية للتفاوض والحوار يثبت على أن حزب الله وحده يمتلك من الإستقرار السياسي والقدرة على التفكير والتركيز على جذور الصراع ومعرفة أبجدياته أكثر مما تمتلكه السعوية كدولة وحكومة ومؤسسات.

مبادرات الجبير وعشقي ونصر الله، وبكل بساطة عكست عقلية كلا منهم، فمحور المقاومة أثبت أنه يمتلك الخبرة والإقتدار ويعلم ان الحلول عند أصحابها ويعرضها عليهم ويذكرهم بالتفاوض ولم الشمل وان كان متقدما ميدانيا عليهم، ومن خلال هذه المبادرة اثبت حرصه على المنطقة بالكامل وعلى النظام والإستقرار فيها وأثبت أيضا بأنه لايسعى لاستئصال أي دولة أو تدميرها حتى وأن كانت السعودية، فالوسائل السياسية في العصر الحديث فيها من أدوات الخلاف والاختلاف ما لايحتاج للحروب والتدمير ثم الانتحار السياسي كما تفعل السعودية، وإنما بحاجة الى منطق سياسي وقليل الحنكة وتقبل الآخر.

إ

Facebook Comments