المحكمةالفيدرالية السويسرية

أكدت المحكمة الفدرالية، أعلى هيئة قضائية في سويسرا، القرار التحكيمي الصادر في شأن خلاف تجاري قائم بين إسرائيل وإيران منذ أكثر من ثلاثين عاما بشأن إمدادات نفطية في نهاية السبعينات. وطبقا للحكم، سيتعيّن على إسرائيل تسديد ديْنها الذي تبلغ قيمته 1.1 مليار دولار بحق شركة النفط الوطنية الإيرانية.

كان خلافًا تجاريًا نشأ بين البلدين، يتعلق بخمسين شحنة نفط تعود لعام 1978 في فترة حكم شاه إيران وقبل الثورة الإسلامية لم يتم تسديد قيمتها من طرف إسرائيل، على إثر اتفاق تم إبرامه في عام 1968، وبموجبه قامت إيران بتسليم شحنات من النفط إلى إسرائيل ابتداء من عام 1978. وبموجب هذا للإتفاق، أصبح بإمكان إيران أن تبيع فائض إنتاجها الزائد عن الحصص المفروضة من طرف منظمة الدول المصدرة للنفط «اوبك»، بالإضافة إلى تجنب دفع رسوم العبور من قناة السويس عن صادراتها باتجاه أوروبا. أما بالنسبة للجانب الإسرائيلي، فقد كان الأمر يتعلق أولا بالعثور على مزود نفط موثوق به ودائم.

كما أسفر الاتفاق المبرم بين إسرائيل والشركة الوطنية الإيرانية للنفط  قبل الثورة الإسلامية على تشييد أنبوب لنقل النفط يربط بين ميناء إيلات الإسرائيلي المطل على البحر الأحمر – الذي كانت ناقلات النفط الإيرانية التي تم التمويه على مصدرها تُفرغ فيه حمولتها – وميناء عسقلان المطل على البحر الأبيض المتوسط، وقد أوقفت كل هذه المشاريع بعد انتصار النظام الإسلامي الجديد عام 1979 بقيادة الإمام الراحل الخميني.

جدير بالذكر أن العلاقة بين إسرائيل وإيران التي تتسم اليوم بالعداء الشديد، كانت في الماضي على النقيض من ذلك، إذ كان البلدان على مدى فترة طويلة نسبيا حليفين سياسيين واقتصاديين، يعتبران أن لديهما مصير إقليمي مشترك. لكن الثورة الإسلامية التي أطاحت بالشاه في بداية عام 1978 غيّرت خريطة التحالفات في الشرق الأوسط. فقد قامت الحكومة الإيرانية الجديدة بقطع علاقاتها مع إسرائيل، وتبعًا لذلك توقفت عمليات تسليم شحنات النفط.

وانتقلت ملكية شركة «ترانس أزياتيك اويل» المُكلفة بنقل وبيع النفط الإيراني إلى الجانب الإسرائيلي بشكل كامل.

غير أن إيران انتظرت حتى عام 1989 قبل أن تقوم بعرض القضية على أنظار هيئة تحكيمية. وبعد ذلك، تم تكليف محاكم تحكيمية في باريس ثم في زيورخ، ثم المحكمة الفدرالية في «لوزان» أخيرا بالنظر في النزاع القائم بين الطرفين. وهي المحكمة التي لم تقتنع بموقف إسرائيل التي تتهم إيران بأنها هي التي ألغت من جانب واحد الإتفاق المُبرم بين الطرفين والذي كان يجب بموجبه أن يستمر تدفق شحنات النفط حتى عام 2017.

تجدر الإشارة إلى أن الحكم الصادر من المحكمة العليا السويسرية، والقاضي بتسديد إسرائيل ديْنها الذي تبلغ قيمته 1.1 مليار دولار بحق شركة النفط الوطنية الإيرانية، ليس إلى حكمًا على الجزء الأصغر من القضية التي باتت تعرف باسم قضية «التحكيم الكبرى»، إذ يتمثل الجزء الأكبر، والذي ما زال في طور التقاضي وفي انتظار إجراء المحاكمة، في  أن إيران تُطالب بتسديد جميع الحصص العائدة إليها في شركة «ترانس أزياتيك اويل» التي استمرت في العمل بعد عام 1979، والتي يُمكن أن تصل قيمتها إلى عدة مليارات من الدولارات.

كانت الحكومة الإسرائيلية صرحت في العام الماضي بأنها لن تدفع سنتيما واحدا إلى بلد عدو يخضع في الوقت نفسه عقوبات دولية. غير أن إبرام الاتفاق النووي مع إيران في مارس الماضي من هذا العام أسفر عن رفع  للعقوبات على إيران؛ الأمر الذي ربما يغير من معطيات قضية التحكيم الكبرى. فهل تلتزم إسرائيل بقرار المحكمة أم تسوف في تنفيذ الحكم لحين وضوح الصورة الكاملة في مسرح الشرق الأوسط والذي بتشابك خيوط علاقاته وتعقيدات مشكلاته أصبح في حال من الفوضي يعجز المراقب عن التنبؤ بتداعياتها.

Facebook Comments