%d8%aa%d8%b8%d8%a7%d9%87%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d8%ba%d8%a7%d8%b6%d8%a8%d8%a9

بعد فوزه في السباق نحو البيت الأبيض، هل يتمكن ترامب من تنفيذ وعوده وتوعداته؟ أم سيفشل فيصحو الأمل فينا من جديد بأنه ثمة سبيل للنجاة؟ وربما تجعلنا الموجة التي اجتاحت البلاد عقب إعلان فوزه نتساءل هل يفرح كل اليمين في أمريكا بهذا انتصار؟ لعل الإجابة تكمن في رؤية أندرو سوليفان، الكاتب المحافظ بريطاني الأصل، والذي يعيش في الولايات المتحدة الأمريكية. يفسر سوليفان كيف آلت أمريكا، أحد أعظم ديمقراطيات العصر، لانتخاب شخص مثل ترامب، وكيف أن هكذا تحُّولًا تنبأ به مؤسس الجمهورية الأول.

نشهد الآن قوة حركة شعبوية هائلة، قلبت اثنين من أكثر الديمقراطيات استقرارًا في العالم الآن، وألقت كلا البلدين في غياهب مستقبل مجهول تمامًا. في بريطانيا -استطلاعات الرأي لم تتمكن من إدراك التأييد الكامل للانفصال عن الاتحاد الأوروبي- تبحث رئيسة الوزراء الجديدة عن عقدٍ اجتماعي جديد مع الطبقة المتوسطة من السكان الأصليين، والطبقة العاملة اللتي سيطر عليهما الخوف من الهجرة والعولمة.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية كان لدى الحركة -التي أسست على مخاوف السياسات المناهضة للسياسة والاضطراب الاقتصادي ومناهضة الهجرة- أمر آخر أكثر فتكًا في جعبتها؛ إذ كان لديها ديماجوجي فوضوي ذو موهبة كبيرة، شكَّل طائفةً مؤيدةً للاستبداد بخطابه الفاشي الوقح الجديد. وبينما تترنح بريطانيا  نحو تدهور اقتصادي بطيء، تقفز أمريكا الآن قبالة هاوية دستورية، ولن تعود نفس البلد مرة أخرى أبدًا، مثل «بريكسيت»، فإن ما حدث في أمريكا يغير الطبيعة الأساسية فيها بشكل دائم.

الآن هذه هي أمريكا ترامب، فهو يسيطر على كل شيء من الآن فصاعدًا. فاز ترامب بتلك الحملة، في ظل نهج جديد حاسم بأنه لا يدين لأحد بشيء، فقد دمر الحزب الجمهوري وأعاد تشكيله حسب تصوره هو، وأذلَّ النخبة، وكذلك نخبة وسائل الإعلام.

ترامب أحرج كل من قام بالتصويت وكل رافض له، ونال ثأره من أوباما، وفي غضون الأسابيع المقبلة من المستبعد أن يقنع بالتراخي في ثأره، بل سيسعى للانتقام بلا هوادة أو تسامح  من أولئك الذين تجرؤوا على معارضته، وسيتم إعادة تشكيل أجهزة الحزب وفق تصوره، وسيفشل مجلس النواب ومجلس الشيوخ في مقاومة أي شيء يقترحه، في حين أن أي أصوات معارضة سيتم تجاهلها حتى تذهب طي النسيان.

وربما تتحول المحكمة العليا لأقصى اليمين لأكثر من جيل قادم، فبهذا الانتصار الهائل، أصبح بإمكانه اختيار قضاة جدد بالمحكمة العليا سيجعلون «أنطونين سكاليا» يبدو وكأنه جبان، فضلًا عن أنه سوف يكون له كونغرس منصاع متزلف طوال أربع سنوات على الأقل، أي لن يكون لدى أمريكا إدارة بقدر ما هي محكمة.

يكاد يكون من المؤكد  –كما هو الحال في بريطانيا- أن اليسار الذي تطرف بالفعل سيرد من خلال تحركه نحو أقصى اليسار أكثر من ذي قبل، تاركًا بذلك اليمين الذي يصرح جهارًا بأنه انتقامي -وأكثر راديكالية من الحكومة المحافظة في بريطانيا- مهيمنًا تمامًا على مقاليد السلطة، ولن يسمح اليمين أبدًا لتلك المقاليد أن تذهب عنه بسهولة. بل على الأرجح سيبنون آلة دعائية تفوق فوكس وبريت بارت قوةً. آلة دعائية تنسج قصصًا زائفة وتختلق أكاذيب كبيرة، يتنافى وجودها مع أي  وسيلة إعلامية موثوقة أو حتى مستبدة، والتي بدورها تسيطر على مراكز المعلومات الجديدة كالفيسبوك أو خلفائه، وهكذا نحن بصدد عالم إعلامي وسياسي جديد، حيث تزدهر تلك الطائفة الاستبدادية، فذلك هو ديدن الفاشيين في حكمهم.

ولعل بارقة الأمل الوحيدة هو ألا يتمكن ترامب من الوفاء بوعوده، أو توعداته، إذ لا يمكنه أن يوجِد الملايين من فرص العمل إذا استدعى حربًا تجارية، ولا يمكنه بناء جدار جديد واسع النطاق عبر الحدود الجنوبية بالكامل وجعل المكسيك تتحمل تكلفته، ولا يمكنه ترحيل ملايين المهاجرين غير الشرعيين دون تمويل هائل جديد من الكونغرس، فضلًا عن ما يسببه ذلك من اضطرابات مدنية هائلة. لا يمكنه تدمير «داعش»؛ بل إن فوزه في الانتخابات سيمكن لها بطرق لم يتخيلها قادتها من قبل، فضلًا عن أنه لن يستطيع تخفيض الضرائب على الأغنياء، أو تمويل برنامج البنية التحتية الجديدة الضخم، أو زيادة الإنفاق العسكري، أو حماية الاستحقاقات كما يدعي، وذلك دون السقوط بالولايات المتحدة الأمريكية في مستويات من الديون، حتى بول كروغمان –الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد- قد يعجز أمامها.

إلا أنه في مرحلة ما، ربما يذكر بعض الأشخاص الخجولين في الحزب الجمهوري مفاهيم الحرية الفردية، أو الإجراءات القانونية، أو مفهوم الحكومة المحدودة، أو الميزانيات المتوازنة، في مرحلة ما، ربما يقلق مؤيدوه أو يرفضونه رفضًا تامًا، حينها قد يتلاشى، أيًّا كان الذي يدعمه.

لكن الأمل بدوره يتلاشى عندما ندرك إلى أي درجة يعد الدعم لترامب مطلقًا وشاملًا، فالدعم الذي يلاقيه لا يشبه دعم القادة الديمقراطيين، بل زعيم طائفة متعصبة ملتحمة مع فكرة «الأمة»، إذا فشل –وسيفشل- سيلقي باللوم على الآخرين كما كان يفعل دائمًا، وسيأخذ أتباعه شعاراتهم منه وحده ولا أحد غيره، على سبيل المثال عنوان كتاب «آن كولتر» -معاونته- الجديد: «في ترامب.. نحن نثق». وهكذا حتمًا سيكون هناك دائمًا كبش فداء، قد يكون المؤسسات الإعلامية، أو مكتب التحقيقات الفيدرالي، أو المؤامرة العالمية للمصرفيين ومتعجرفي دافوس الذين استعرضهم في بيانه الختامي المتقد بمعاداة السامية، أو السياسيين الجدد المنافسين الذين يدمرهم بإطلاق أسماء مسيئة عليهم، أو البلاد الأجنبية والقادة الذين لا يتعاونون معه، أو -بلا أدنى شك- المدنيين الذين سيستهدفهم أتباعه من ناحية، وينالهم التجريح من منبر القوة نفسه من جهة، فترامب رجل ليس لديه أي سيطرة على انفعالاته، فضلًا عن أن لديه مخزونًا هائلًا من مشاعر الانتقام والكراهية. بمرور الوقت، ومع تزايد إخفاقاته ستزداد بكثافة حملات تشويه سمعته، حتمًا ستزيد.

ثم بعد ذلك سيكون هناك هجوم إرهابي، أو أكثر باعتبار أنه يحصر تعريف معركة العالم ضد الإرهاب بأنها معركة ضد دين بأكمله؛ فيبث الروح في تنظيم القاعدة وداعش. وبالاستناد إلى تصريحاته السابقة يمكن التنبؤ بما سيفعله عقب ذلك تمامًا، سيدمر كل ما تبقى لدينا من الحريات المدنية. ثم يعقب ذلك اشتباكات بين الشرطة، وأعداد كبيرة من المتظاهرين السود بعد حادث إطلاق نارٍ على مواطن أسود أعزل آخر. وسيتلذذ بعرض قوات هائلة من الشرطة من شأنها أن تشعل البلاد بطريقة لم تشهدها منذ الستينات من القرن الماضي.

قال ترامب إنه سيعيد تشغيل سجن غوانتانامو، فضلًا عن أنه سيحتجز سجناءً جددًا ويعذبهم حتى يستخرج منهم الحقيقة التي يريدها، ثم يستخدم تلك الحقائق في زيادة تصعيد «الحرب ضد الإسلام»؛ فسيجعل كل مسلم أمريكي خائفًا، وسيثير الشكوك والكراهية بين جيرانهم. فكل تفصيلة صغيرة عرفناها عن هذا الرجل تجعلنا نتنبأ بأن كل ذلك سيحدث، وكل ذلك ينذر بنهاية أمريكا التي عهدها العالم أجمع، لكن يجب أن نخشاها الآن.

لا أرى أي طريقة لإيقاف ذلك في البداية، إلا أنه يتحتم على بعضنا المحاولة، وما يجب علينا أن نسعى للحفاظ عليه هو مؤسساتنا الأساسية التي قد يهددها، وأولها المحاكم، حتى وإن أقدم على تحويل المحكمة العليا -وبشكل غير مسبوق- إلى محكمة استبدادية بالدرجة الأولى، ثم يتبع ذلك القوانين التي تنظم قواعد الحرب، وبالتالي لن تتنصل أمريكا من الضلوع في جرائم حرب كما سبق، ثم تأتي الصحافة الحرة التي سوف يبذل كل ما في وسعه لإرهابها، وتعريضها للإفلاس إن أمكن، ثم سيتجه لتدمير المؤسسات من أجل تحقيق مبتغاه، كوزارة العدل المستقلة التي تعد أحد الحصون الأساسية للدولة، وما تبقى من مكتب التحقيقات الفيدرالي الذي لن يكون أداة الانتقام في نظامه، ومؤسساتنا العلمية، وما تبقى من الفكر الحر في مدارسنا وجامعاتنا.

سوف نحتاج إلى مسيرات سلمية في الشوارع لمواجهة الترهيب الهائل الذي يمارسه حاليًا؛ لنبرهن أننا مجتمع حر ومتفتح بالفعل.

المصدر وترجمة / ساسة بوست

http://nymag.com/daily/intelligencer/2016/11/andrew-sullivan-president-trump-and-the-end-of-the-republic.html

Facebook Comments