%d8%a7%d9%88%d8%a8%d8%a7%d9%85%d8%a7-%d9%88%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d9%85%d8%a8

في صباح اليوم الذي تلا انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة، استدعى باراك أوباما موظفيه إلى المكتب البيضاوي. وقد بدا أن الموظفين يشعرون بالكآبة والإهانة بسبب الهزيمة، كما بدا أنهم خائفون من أن يصبح ترامب سببا لعودة الاستبداد. واعترف أوباما والموظفين بأنهم يشعرون بالصدمة من نتيجة الانتخابات، فمن المؤكد أنهم لم يتصوروا أبداً إمكانية حدوث هذه النتيجة”.

وقد صرّح أوباما في ذلك اليوم بأن”هذه ليست نهاية العالم، فالتاريخ لا يتحرك في خطوط مستقيمة، فهو يتحرك أحياناً في خطوط جانبية، ويعود إلى الوراء في أحيانٍ أخرى”. وعندما سئل أوباما حول خسارته منصب الرئاسة، قال”أنا لا أؤمن بحدوث شيء مروع حتى تأتي نهاية العالم، كما أنه لا يوجد شيء يمكنه إنهاء العالم حتى يأتي وقت نهايته “.

يبدو أن تشبث أوباما بالأمل، جعلته يحس بمشاعر الإرادة أكثر من الجرأة، إذ كان يسعى خلال خطاباته إلى مكافحة اليأس الذي سيطر على قلوب الشباب والعديد من الأميركيين في جميع أنحاء البلاد.

وقد أدت صدمة الانتخابات إلى تفشي مشاعر الفزع والاكتئاب بين موظفي البيت الأبيض، الذين كانوا يشعرون بتفاؤل كبير حول الانتخابات. وذكر أوباما خلال مقابلة تلفزيونية أجراها في شهر يناير/كانون الثاني الماضي في البيت الأبيض في برنامج “توداي” رفقة الصحفي الأمريكي الشهير، مات لوير، أنه”بغض النظر عن ما قد يحدث في الانتخابات، فإن الأغلبية العظمى من الأمريكيين لن تخضع لترامب بسبب خوفهم منه، وإنما بسبب بساطة أفكاره”.

وعندما سأل لوير أوباما إن كان قد توقع في الوقت الذي كان يلقي فيه خطاب حالة الاتحاد؛ أنه سيأتي يوم يقوم فيه ترامب بتقديم خطاب حالة الاتحاد؟”، أجاب أوباما، الذي ذهل من السؤال، أنه “يمكنه أن يتصور أنه يقوم بمسرحية هزلية…”.

بدأت سخرية أوباما من ترامب في عشاء مراسلي البيت الأبيض في سنة 2011، ويعود ذلك إلى دعم ترامب لنظرية المؤامرة المسماة “بيرثر”، والتي تطعن في شرعية وصول أوباما للرئاسة لأنه ولد في أفريقيا. وقبل أسابيع من الانتخابات، حضر أوباما في برنامج “جيمي كيميل لايف”، أين قام بقراءة العديد من التغريدات المسيئة له، ومنها تغريدة ترامب الذي ذكر فيها أن “أوباما أسوأ رئيس في تاريخ الولايات المتحدة”.

لم يتصور ملايين الأمريكيين أنه سيأتي يوم يصبح فيه ترامب رئيساً. وكان ترامب يعتبر، بإجماع كل الآراء الليبرالية، بمثابة البائع المتجول في وسائل الإعلام، والذي يبيع الجرع السحرية المليئة بالسم.

ومع ذلك، يمكن اعتبار أن انتصار ترامب كان متوقعا نسبيا، خاصةً في ظل خيبة الأمل والإحباط التي خيمت على الناخبين الأميركيين. ويظهر ذلك في إحدى الفقرات من كتاب “الارتقاء بالبلاد”، الذي كتبه الفيلسوف اليساري ريتشارد رورتي سنة 2007، الذي بيّن فيه أن الطبقة العاملة المهمشة لن تتسامح مع تهميشها المتواصل.

وكتب ريتشارد رورتي في كتابه، الكلمات التالية: “ستقرر الطبقة المهمشة أن النظام قد فشل، ثم ستبدأ البحث عن مرشح متميز للتصويت له، مرشح قادر على تحقيق العديد من الضمانات. ومن المرجح جدا أنه سيتم محو المكاسب التي تحققت في السنوات الأربعين الماضية من قبل الأميركيين السود وغيرها من الفئات الفاعلة في المجتمع”.

وقد أشار إلى ذلك ترامب، الذي كان داهية بما فيه الكفاية لاستقطاب ناخبيه بعبارات صريحة، بعد الفوز الذي حققه في الانتخابات التمهيدية بنيفادا قائلا؛إنه “يحبالأشخاص الذين تلقوا تعليما ضعيفا، مضيفا أنه يعتقد أنهم من الأشخاص الأذكى في العالم والأكثر ولاء”.

ويذكر أنه خلال جولة أوباما الانتخابية في ولاية كارولينا الشمالية قبل أربعة أيام فقط من الانتخابات، كانت المرشحة هيلاري كلينتون تتصدر جميع استطلاعات الرأي. وقال ديفيد بلوف، الذي أدار حملة أوباما الانتخابية لعام 2008، إنه “كان يتصور فوز كلينتون بنسبة مائة بالمائة”.

ويضيف “أخبرني أوباما أنه شعر بالفرح عندما علم برسالة مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي، جيمس كومي، إلى الكونغرس التي أكد فيها أنه “سيحقق في مسألة رسائل البريد الإلكتروني كلينتون مرة أخرى”. وقد سألت أوباما، عند اشتداد سباق الانتخابات خلال الأسبوع الأخير قبل الانتخابات، حول شعوره بالثقة بخصوص يوم الثلاثاء القادم، أي يوم نتيجة الانتخابات، فنفى الرئيس الأمريكي السابق ذلك.

وعموما، يملك أوباما أسباب كافية لعدم الثقة في نتائج الانتخابات النهائية، وطوال فترة رئاسته، عمل أوباما إلى الوصول إلى نهاية مرضية. ففي أوائل عام 2015، بدت مواقف إدارة أوباما جبانة بعض الشيء حيال العديد من القضايا المهمة، إذ يقال إنه استخف بقدرات تنظيم الدولة؛ وكان سلبيا أمام مسألة ضم بوتين شبه جزيرة القرم؛ كما تسبّب تخاذله في وقوع كارثةٍ إنسانيةٍ في سوريا. فضلا عن أنه كان يقيم علاقات شبه متوترة مع كتلة الحزب الجمهوري في الكونغرس الأمريكي.

ثم خلال أسبوع واحد في شهر يونيو/ حزيران، أنهت المحكمة العليا سنوات من الدعاوى القضاية ضد قانون الرعاية الصحية، الذي يُطلق عليه” أوباما كير”، إذ حكمت المحكمة لصالح قانون المساواة في حقوق الزواج.

وعلى خلفية مقتل تسعة مصلين في أحداث إطلاق نار كنيسة تشارلستون للسود، ألقى أوباما خطابا أثار فيه عواطف معظم الأمريكيين في جميع أنحاء البلاد. لكن بدلا من التركيز في حواره على الحرب العنصرية التي تشهدها الولايات المتحدة والأسباب التي دفعت بالقاتل لارتكاب هذه الجريمة، استهل خطابه بالحديث عن الخير الكامن في الأحياء والأموات، وأنهاه بترنيمة “أمازينغ غريس” المسيحية.

تشعر إدارة أوباما بالفخر والامتنان للانجازات التي قامت بها خلال فترة حكمها، إذ أنها قبل بداية الانتخابات قامت بتوزيع كتب أشادت فيها بالإرث الذي تركته مثل؛ إنعاش اقتصاد البلاد الذي كان يعيش فترة من الركود؛ إنقاذ صناعة السيارات؛ وإصلاح الأوضاع في وول ستريت؛ وحظر التعذيب؛ وتمرير قانون الرعاية الصحية “أوباما كير”، والمساواة في الزواج؛ وقانون ليلي ليدبيتر للأجور العادلة؛ وإنهاء الحرب في العراق.

وأشادت أيضا بإجراء استثمارات ضخمة في مجال تكنولوجيات الطاقة المتجددة؛ وتعيين القاضيتان سونيا سوتومايور وايلينا كاجان في المحكمة العليا؛ قتل أسامة بن لادن؛ وإبرام الاتفاق النووي الإيراني؛ والانفتاح على كوبا؛ وإبرام اتفاقية باريس بشأن تغير المناخ. كما كانت تعتبر إدارة أوباما أنها كانت قادرة خلال فترة ولايتها الأولى والثانية على الحفاظ على كرامتها دون إثارة العديد من الفضائح.

وقد تمكنت شعبية أوباما من تحقيق رقم قياسي، ولكن من المرجح أن مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون، سوف تكمل مسيرة أوباما، إذا تم انتخابها رئيسة للولايات المتحدة.

هبطت طائرة الرئاسة في فورت براج واتجه الموكب إلى قاعة الألعاب الرياضية المملوءة بأنصاره من جامعة فايتيفيل. وبكل حماس، ألقى أوباما خطاب الحملة الانتخابية، الذي أعرب فيه عن تأييده لكلينتون التي ستواصل السير على خطاه.

وقال إن “كل التقدم الذي حققناه هذه السنوات الثماني الماضية، سيسقط في الماء إن لم نفز في هذه الانتخابات!” كما قام بتحذير الجمهور من الوقوع في شراك الحزب الجمهوري؛ مستعينًا ببعض العبارات المجازية، التي استخدمها للإشارة إلى دونالد ترامب، الذي اعتبره شبيها بمالكوم إكس. وذكّر الحضور أيضا ببعض خطاباته التي أبدى فيها عدم احترامه وتقديره للسود والنساء والمسلمين، والمعوقين، وآباء جائزة النجمة الذهبية.

كنت واقفا إلى جانب المسرح، عندما ظهر رجل كبير السن في الممر، كان يرتدي زيا عسكريا باليا ويحمل لافتة كتب عليها اسم ترامب. ولكن عندما لمحه الناس، بدؤوا بالتهكم والسخرية منه، ومن ثم جاءت صيحة تنادي، “هي-لا-ري! هي-لا-ري! “، ومن ثم صاح أوباما، “أصمُدي، أصمدي”.

كرّر أوباما عبارة “اصمُدي!”أكثر من ستة عشر مرة، ولكن لم يستطعْ شد انتباه الجمهور. استغرق الأمر فترة طويلة، قبل أن يتمكن من استعادة انتباه الجماهير إليه، وجعلِهم يغضون الطرف عن وجود ذلك الرجل العجوز ومتابعة محاضرته عن الكياسة السياسية التي قال فيها، “لا يجب علينا أن نقلق من وجود رجل كبير السن يدعم مرشحه، كما يجب أن لا نفقد تركيزنا بسبب وجوده.

وأضاف خلال هذا الاجتماع قائلا “أولاً وقبل كل شيء، نحن نعيش في دولة تحترم حرية التعبير؛ ثانيًا، ربما يكون هذا الرجل قد خدم في جيشنا، الذي نُكنّ له احتراماَ كبيرا. ثالثًا هو رجل كبير السن وعلينا أن نحترم شيوخنا. أما الآن، أريد منكم أن تعيروني انتباهكم، لكن إذا لم تفعلوا ذلك، سنفقد التركيز، ويمكن أن يتسبب ذلك في حصول مشاكل”.

أبلغ ترامب في تلك الليلة في مدينة هيرشي بولاية بنسلفانيا أنصاره بأن أوباما أساء لبعض المحتجين في مدينة فايتيفيل، قائلا إنه “قضى الكثير من الوقت وهو يصرخ في وجه متظاهر كان حاضرا في إحدى اجتماعاته”، معتبرًا أن “سلوك أوباما كان بمثابة وصمة عار في التاريخ الأمريكي”. وتجدر الإشارة إلى أن ترامب كان سيجد أي موضوع للحديث عنه وكان سيلفق أي كذبة لجلب المزيد من الأنصار له، فترامب هو ترامب ولن يتغير.

 وعندما توجهت الطائرة إلى شارلوت، جلست مع نائب عام ولاية كارولينا الشمالية، روي كوبر والمرشح الديمقراطي، ديفيد سيماس، الذي يشغل منصب المدير السياسي لأوباما.

ويبدو أن كوبر، الذي كان يعمل في حقول التبغ منذ كان طفلاً، لا يملك الكثير من المعلومات عن قائمة ناخبي ترامب في ولاية كارولينا الشمالية الريفية، كما عبّر عن قلقه تجاه نتائج هذه الانتخابات، كما لو كان الرئيس المقبل.

أمّا سيماس كان فقد كان شخصا يملك بعدا تحليليا عميقا للعديد من الوقائع الأمريكية، ورجلا يريد أن يكون كلامه دائما موثقا بالأرقام، والذي يعرف كل تحركات الناخبين في كل محافظة. كما أنه شبه متفائل مثل عضو الحزب الديمقراطي الأمريكي، ديفيد بلوف، بعد عملية فرز الأصوات المبكر في كلا من ولايات فلوريدا ونورث كارولينا، ونيفادا. ولكنه خلال حديثه لم يخفي قلقه حيال الإقبال المتواضع للأمريكيين الأفارقة على صناديق الاقتراع، مقارنة بتزايد إقبال الأمريكيين من أصول لاتينية.

 ولكن عندما سألته عن سيماس، لماذا يبدو أكثر ثقة من أوباما؟ ابتسم وقال، “إنها مسألة الأدوار”، مضيفًا أنه “لم يتمكن من أن يُصبح رئيسا للولايات المتحدة، منذ ثمان سنوات، لكنه في الوقت الراهن يسعى لترسيخ إرثه الخاص”.

علاوة على ذلك، فإن سيماس كان يعرف بحدوث مشكلة محتملة في المستقبل، قائلا، إن “ترامب تمكّن من تعزيز قاعدته الجماهيرية أكثر من المرشح رومني في سنة 2012، في غضون عشرة أيام فقط من انعقاد مؤتمر الحزب الجمهوري”.

كما أضاف أن”قاعدة الحزب الجمهوري أصبحت مختلفة تماما عن ما كنا نظن، إذ أن ترشيح ترامب رئيسا للولايات المتحدة، يُبين عمق هذا الاختلاف الإيديولوجي الذي يشهده هذا الحزب، الذي أصبح يسعى فقط للترويج والتحريض على كراهية هيلاري كلينتون”.

وما أحبط أوباما ومعاونيه كثيرا هو معرفتهم بأن قاعدة الحزب الديمقراطي لا يمكنها أن تتوسع أكثر من ذلك. فقد تحدثوا إلى شبكات وسائل الإعلام الكبرى، والصحف الكبرى والمواقع الرئيسية، للعثور على مزيد من المؤيدين لتوجهات الحزب الديمقراطي، ولكنهم كانوا متأكدين أنهم لا يمكنهم الوصول إلى الوسائل الإعلامية الأكثر قراءة، التي لا تسعى إلا لترويج الشائعات والدعايات الزائفة.

وفي هذا السياق، قال سيماس، إنه “إلى وقت قريب كانت المؤسسات الدينية، والأوساط الأكاديمية، ووسائل الإعلام، تعرف المعايير التي تحدد ما هو مقبول وما هو غير مقبول، وما يمكن وصفه بأنه غريب أو متطرف أو عادي أو يأتي في إطار ممارسة السياسة”.

وأضاف سيماس”لكن الأوضاع تغيرت الآن، هذه الأشياء التي قالها دونالد ترامب خلال حملته الانتخابية، خاصة حول منع قدوم المسلمين وإقامة جدار على الحدود المكسيكية، إضافة إلى أقواله الساخرة من ذوي الاحتياجات الخصوصية والتحرش بالنساء، لو قالها قبل ثمان سنوات لما وجد من يسانده، ولن يحصل على أصوات الناخبين”.

ويواصل “ولكن الآن وعبر وسائل التواصل الاجتماعي فايس بوك وتويتر، أصبح يمكن تجاهل هذه المؤسسات التي كانت في السابق تُوجه المجتمع، ويمكن الوصول مباشرة إلى الناخبين والتأثير على آرائهم دون رضاهم. كما ظهر داخل المجتمع نوع من التسامح مع هذا الخطاب. وعبر نفس وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح يمكن للمتطرفين من أمثال ترامب أن يجدوا من يتفق معهم ويُثمن أفكارهم ويروج لأرائهم. وهذا يخلق نوعا جديدا من الرأي العام، الذي يدافع عن أشياء لم يكن أحد يفكر فيها في الماضي، وهذا بالطبع يمثل تغييرًا خطيرًا”.

في ذلك اليوم الذي سافر فيه أوباما وسيماس معا، تكلم الاثنان بشكل متواصل حول مقال ظهر في موقع “باز فيد” وصف فيه حادثة شهدتها بلدة فيليس المقدونية، التي قام فيها بعض المراهقين بإنشاء أكثر من مائة موقع مساند لدونالد ترامب بغرض تحقيق أرباح مادية، كما جمعوا الشباب آلاف المتابعين لهم عبر الفايسبوك، وهذه المواقع التي كانت بأسماء مثل “trumpvision365.com” و”worldpoloticus.com“، كانت معظم المنشورات فيها جدلية ومثيرة للرأي العام، ومستمدة من مواقع أخرى تابعة لليمين الأمريكي. ولو دخلت لهذه المواقع ستجد فيها مثلا؛ أن البابا فرانسيس أعلن دعمه لدونالد ترامب، وأن كلينتون نفسها شجعت دونالد ترامب على الترشح للانتخابات لأنه شخص لا يقبل أن تشترى ذمته بالمال.

وفي وقت لاحق، قال لي أوباما إن “المناخ الجديد في وسائل التواصل الاجتماعي يعني أن “كل شيء صحيح ولا شيء صحيح”. وأضاف أوباما أنه “في وسائل التواصل الاجتماعي تتشابه الحقيقة والكذبة، ويمكن لتفسير علمي لظاهرة التغيير المناخي يقدمها عالم فيزياء حاصل على جائزة نوبل، أن تحظى بنفس القدر من الاهتمام والمصداقية مثل أي منشور آخر يظهر على فايسبوك، ينفي فيه صاحبه وجود هذه الظاهرة ويعتبرها مجرد كذبة”.

ويواصل “وبالتالي يمن القول بأن القدرة على نشر الشائعات والأكاذيب، ونظرية المؤامرة المغرقة في المبالغة، وإظهار كل رأي مخالف على أنه سلبي وغير مقبول، انتشر بسرعة غريبة وأدى لحالة استقطاب حادة وغير مسبوقة داخل الرأي العام وجمهور الناخبين، وأصبح من المستحيل أن يقع تواصل أو حواراتبناءة بين المعسكرين”.

وقد مثل هذا تغيرا جذريا عما كانت عليه الأمور في الفترات السياسية السابقة، وأضاف أوباما أنه “يُفترض أنه في دولة ديمقراطية أن يتفق الجميع على أن تغير المناخ هو نتيجة مباشرة للسلوك الذي يقوم به الإنسان على سطح الكوكب، لأن هذا ما يتفق عليه 99 بالمائة من العلماء. وبعد ذلك يُفترض أيضا في دولة ديمقراطية أن نخوض حوارا حول كيفية إصلاح هذا الخطأ ومواجهة هذه الظاهرة”.

ويواصل أوباما: “هكذا كانت تجري الأمور في سنوات السبعينات والثمانينات والتسعينات عندما كان الجمهوريون يساندون القوانين المنظمة لهذا المجال، مثل قانون “الهواء النقي”، وفرض معايير صارمة على المواد الكيمياوية الضارة بالمناخ وبطبقة الأوزون عوضا عن فسح المجال للشركات للاستفادة من هذا المجال دون أي مراقبة. في هذه الحالة يفترض أن يكون هنالك نقاش واختلافات في الرأي حول الوسائل والسبل المتاحة لإصلاح المشكل، ولكن في كل الأحوال ستكون هنالك أرضية صلبة نجتمع عليها جميعا وهي الحقائق العلمية الواضحة، ولكن الآن لا شيء من هذا موجود”.

وفي تلك الليلة في شارلوت، وصل أوباما إلى حد بعيد من الحماس عندما وقف أمام المايكروفون، لم يكن في ذلك الحشد المتجمع أمامه أي مساند لترامب يجرأ على التشويش عليه أو استفزازه. وكالعادة استعرض أوباما سلسلة من التجاوزات والأخطاء التي قام بها المرشح الرئاسي دونالد ترامب في حق الحقيقة وفي حق الإنسانية. ففي ذلك الوقت، كان أوباما يعتبر أن السباق الانتخابي مسألة شخصية بالنسبة له، ليس فقط لأنه يرى أن فوز ترامب سيهدد كل ما بناه في ثماني سنوات.

وفي تلك الليلة، خاطب أوباما الحاضرين قائلا: “هذا المرشح يقول كل يوم أشياء كنا نعتبرها قبل أربع سنوات، ثمان سنوات أو اثنا عشرة سنة، غير مقبولة تماما وقد تؤدي إلى استبعاده من السباق. ما أقصده هنا هو أن تتخيلوا لو أنني في سنة 2008 كنت قلت واحدا من هذه الأشياء التي يتفوه بها ترامب الآن، تخيلوا لو أنني تصرفت بالطريقة المشينة التي يتصرف بها الآن، تخيلوا ما سيكون عليه موقف الجمهوريين وما سيقولونه! تخيلوا ما سيقوله الإعلام عني”.

وأثناء خروجه من القاعة، أمضى أوباما على بعض الكتب، وتوقف لالتقاط بعض الصور مع الحاضرين، وبدا منشرحا جدا وراضيا بسير الأمور. حتى أنه قال مازحا “أنا مثل المغني ميك جاغر، عجوز وشعري رمادي ولكن لا زلت أحظى بشعبية”. وفي السيارة أثناء العودة إلى مطار شارلوت، ارتمى أوباما في مقعده وقرأ مجموعة من رسائل البريد الالكتروني على هاتفه، ثم فتح مقطع فيديو من حفلة الهالوين التي انتظمت في البيت الأبيض.

وكشف سيماس أنه في تلك الليلة  “قرب أوباما شاشة الهاتف عن وجهه وقال له “أنظر إلى هذا”. وبيّن أنه على شاشة الهاتف كانت هنالك صورة طفل صغير مع شعر أملس مسرّح للوراء، يرتدي زي سوبرمان. امتدت القوى الخارقة لهذا الطفل ليفهم مصطلحات سياسية تفوق سنه، حيث كان يدعو أوباما بعبارة “Potus” التي تعني اختصارا لمنصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وفيما بعد علمت بأنه ابن الملحق الصحفي المرافق لأوباما جوش أرنست ويبلغ من العمر سنتين.

عندما كنا في طريقنا إلى المطار تحدث أوباما عن ترامب قائلا “لقد تنبأت بحدوث هذا، ففوز دونالد ترامب ليس بالأمر الغريب بل إنه نتيجة منطقية لعمل وتكتيكات الحزب الجمهوري على مدار 15 أو 20 سنة الماضية”.

ويواصل “لكن ما فاجأني هو النجاح الذي حققته هذه التكتيكات والإستراتيجية التي اعتمدوها. لم تكن هنالك أي مبادئ للحكم ولا أحد يقول “لا، هذا الشخص قد تمادى كثيرا”، كما أنه لاقى كل المساندة. ولكن رغم ذلك فإننا نشهد هذا منذ ثمان سنوات حتى مع أشخاص عقلانيين مثل جون بوينر الذي عندما جاء وقت الحسم لم يقم بالتصدي لمثل هذه التيارات “.

وعندما سألته عن مدى قدرة ترامب على هزيمة لائحة طويلة من المرشحين الجمهوريين، أجابني بأن “هزيمة ترامب لما يقارب 15 مرشح لا تدل على المهارات التي يتمتع بها بل على المهارات التي يفتقر إليها المرشحون الآخرون. لكن من الواضح أن ترامب دخل في هذا السباق الرئاسي وهو متأكد تماما من قدرته على استغلال غضب واستياء المضطهدين، خاصة وأنه بارع في كسر الحواجز وارتكاب المحظورات بطريقة تجعل الناس يشعرون بالارتياح له”.

وما لاحظه أوباما هو أن الفئات التي صوتت لصالحه سابقا كانت من ولايات أيوا، ميشيغان، فلوريدا، وكارولاينا الشمالية. والسبب وراء ذلك هو أنه حظي بالفرصة للظهور على الساحة قبل أن ينهار نظام وسائل الإعلام القديم. ففي أواخر التسعينات، عندما كان عضوا في مجلس ولاية إلينوي ممثلا لمنطقة هايد بارك على الجانب الجنوبي لشيكاغو، بدأ في تنظيم رحلات إلى المقاطعات الجنوبية من ولاية ايلينوي مع رجل أعمال يدعى “دان شومون”.

لم يكن أوباما أبدا معروفا كمشرع في منطقة جنوب سبرينغفيلد. في الوقت الذي كانت ميشال أوباما حاملا وأحس هو بأن هذه هي فرصته الأخيرة قبل أن يرزق بطفلته. وعندما توجه نحو الجنوب أدرك بأنه الآن في مكان أقرب من ناحية المظهر وفي طبيعته إلى سكان ولايات تينيسي وأركنساس أكثر من مدينة شيكاغو.

أجرى أوباما العديد من الزيارات والتقى بعمال المصانع البسطاء، وفي دو كيوين، علم أوباما بالمشاكل التي تخلقها إحدى العصابة المكونة من العنصريين البيض تعرف باسم” التوابع”. وفي شاونيتاون، علم بما يمر به المزارعون مثل ستيف و كابي سكايتس. وفي هذا الصدد قال لي شومون ذات مرة ” إن ما أثبتته هذه الرحلات هو أن أوباما يجتذب البيض الذين يقطنون بالريف”. وفي سنة 2004، فاز أوباما بمقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي وهَزم في الانتخابات التمهيدية دان هاينز، العضو في حزب مساند للبيض، والذي كان في تلك الفترة قد حصل على الدعم من ما يقارب جميع رؤساء المقاطعات في الدولة.

وبينما كنا نتمشى في الليل ونتجاذب أطراف الحديث قال أوباما “إن الناس لم يتوقعوا نجاحي، فقد فزت بأصوات الناخبين في جنوب إلينوي لأنني كنت أتجول بينهم وأسمع قصصهم ومشاكلهم وبتلك الطريقة أصبحت شخصية معروفة. فهم لم يتعرفوا علي من خلال شاشة التلفاز على غرار قناة فوكس نيوز وراش ليمبو وراد ستايت.

كان الناس يعرفونني على أنني شخص يدعى باراك حسين أوباما المناهض لكلينتون. لذلك كنت لا أحظى باهتمام كبير منهم، ولكنني على الرغم من ذلك سعيت لربط الصلة معهم. وما أقترحه هو أن تتاح للناس فرصة اكتساب المعرفة اللازمة بالسياسة والسياسيين. وبالفعل استطاع دونالد ترامب أن يفهم البيئة الاجتماعية الجديدة، ولا يهم بأي طريقة استطاع فهم هذا الأمر. ” إذا كنت تجذب الانتباه، وتثير المشاعر، وتحرز التقدم، فإنه بإمكانك أن تتحكم في المشاعر”.

سيدخل أوباما التاريخ باعتباره أول رئيس أمريكي من أصول إفريقية، وهو ما يجعله يشعر بالفخر. لكنه لم يتوانى على التأكيد على مدى تعقيد حياته “أنا نصف اسكتلندي ونصف ايرلندي، وعندما يتحدث أمثال جيم ويب عن العائلات الاسكتلندية والايرلندية في غرب فيرجينيا وكنساس وإلى غير ذلك، فهو بذلك يتحدث عن شعبي، حتى وإن لم يكونوا على دراية بذلك فإنني دائما أعتبرهم شعبي”.

الآن وفي عشية الانتخابات لم يكن أي شيء موظبا في الحقيبة. وبينما كان يأخذ نفسا عميقا قال “القوة تكمن في أن الأفكار تستطيع إحداث تغيير جذري، يمكن أن تتغير مواقف عامة الشعب بطريق جذرية. منذ سنتين كانت هيلاري تتمتع بشعبية لا نظير لها، حيث بلغت نسب التأييد الشعبي لها 65 بالمائة، وفي ذلك الوقت كان الناس يقارنون شعبيتها بشعبيتي، كما تطرق البعض إلى ضرورة إيجادها لطريقة لتنأى بنفسها عني. أما الآن، تعيش هيلاري العديد من المشاكل مع الرأي العام والبعض منها بسبب قلة تركيزها على توضيح الأشياء للشعب الأمريكي، لكن رغم ذلك لدي ثقة كاملة بالشعب الأمريكي فإذا سنحت لي الفرصة للحديث معهم فسيقومون باختيار الشيء الصحيح. أما على الصعيد العاطفي، فإنهم يريدون أن يفعلوا الصواب لكن ذلك لايمكن أن يحصل إلا في صورة توفر جميع المعلومات اللازمة لهم ليعرفوا الصواب من الخطأ”.

لكن وفي ظل هذا العصر الذي أصبحت فيه الأكاذيب هي التي ترسم ملامح الصواب، لم يعد أي شخص قادر على تحديد الصواب من الخطأ.

كان ظهور أوباما الأخير عشية يوم الانتخابات، وكان ذلك في تجمع في الهواء الطلق بجانب قاعة الاستقلال في فيلاديلفيا، جنبا إلى جنب مع  الفنانين جون بون جوفي وبروس سبرينغستين، وعائلة كلينتون. ولكن هذا الظهور سبقته زيارته لكل من ولايات فلوريدا، ميشيغان، ونيو هامشير، حيث سافر مع المرشحة الديمقراطية لتلك الولاية في مجلس الشيوخ، ماغي حسن. وقد روى لي لاحقا أنه تحدث معها عن الإحساس الذي اعتراه في ختام فترة حكمه قائلا “أنا أحب الغموض والسكينة اللتان تفصلاننا عن يومين قبل الانتخابات، لأن كل شيء صامت، الراديو، لا أحد من الناس سيصغي بعد الآن إلى أي حجة أخرى، وبالتالي كل شيء وضع في مكانه والآن سيخيم الصمت على البلاد. وما عليك سوى الانتظار واكتشاف ماذا سيحدث”.

كما أضاف أن “ما يحصل ليس بشيء ميكانيكي، أو صيغة ثابتة أو محددة، هنالك دائما احتمال حدوث شيء مفاجئ، وبالتالي فإن السياسة شبيهة نوعا ما بالرياضة كل شيء فيها متوقع”.

ليلة الانتخابات، كان أوباما في الطابق العلوي لمنزل البيت الأبيض. عشرات الملايين من الناس كانوا يشاهدون التلفاز أو يراقبون عن طريق هواتفهم الجوالة، قبل فترة طويلة من انتهاء الانتخابات في الساحل الشرقي. لكن أوباما لم يقم بذلك على غرار بقية الناس، وقال: “لم أعر للأمر أهمية إلا عندما حلت الساعة العاشرة، وذلك لأنني أولا، لدي العديد من الناس الذين سيتولون هذه المهمة عني؛ وثانيا لا يوجد أي شيء يدعوا لكل هذا القلق. وبالتالي كل ما يعرض هو مجرد تكهنات واهية”.

صرح أوباما بأنه كان منذ البداية على دراية بقرب النتائج. فكل المرشحين كانت لهم سلبيات ملحوظة للجميع. فكل مرشح منهما اهتمت به وسائل الإعلام لفترة ما، ولأسباب كان على دراية كاملة بها، كان يعلم أن هيلاري كانت محل الأنظار في أسبوع الأخير من الانتخابات وهو ما خلق جملة من العقبات التي حالت دون فوزها”.

وفي حوالي الساعة السابعة والنصف، سمع أوباما من ديفيد سيماس أن هنالك بعض الأرقام” التي تثير الدهشة”، خاصة في المناطق الريفية من ولاية فلوريدا. فترامب أحرز تقدما أكثر بكثير مما كان متوقعا وفي الحقيقة بهامش أكبر بكثير من الذي هزمني به كل من، رومني أو ماكين في تلك المناطق.

وحتى الساعة العاشرة كان أوباما لايزال يشاهد التلفاز، الذي اعتاد على أن يتابع من خلاله منه على كل ما يخص السياسة.كما أن السيدة الأولى ميشال أوباما لم ترد أن تجهد نفسها أو أن تقلق لذلك، ففي حدود الساعة العاشرة خلدت إلى النوم مبتعدة بذلك عن الضوضاء ولذلك قال أوباما إنها “قررت الابتعاد عن أي شيء يسبب لها الإجهاد”.

بحلول ذلك الوقت، كان من الواضح أن هيلاري كانت بصدد خسارة كل من نورث كارولاينا وفلوريدا.وأن الصعوبات التي كانت تواجهها في الجنوب بدأت تظهر في بنسلفانيا، ميشيغان، ويسكونسن. كان أوباما في ذلك الوقت بالكاد باردا وغير مبال كما كان يزعم. ولكن رغم ذلك اختار عدم التسرع أو الاندفاع، وعندما ضغطت عليه ليتحدث بصدق عن ما خالجه عندما وصل إليه الخبر لكنه بقي هادئا وكأن شيئا لم يكن.

وقال أوباما ” كيف كان ردي على هذه الأنباء؟ لقد أخبرت الناس قبل يوم من الانتخابات بأنه كانت لي تجربة سابقة من هذا القبيل. هذا جزء لا يتجزأ من لعبة السياسة، وذلك ما حصل لنا في نيو هامشير. حين خسرت لصالح كلينتون في الانتخابات التمهيدية لسنة 2008. وأضاف في نفس السياق “لقد خرجنا من آيوا والسعادة تغمرنا للنتائج التي حققناها وكأننا على سفينة صاروخية. وفي المقابل استطلاع الرأي الأولي الذي أجريناه في نيو هامشير قد تغير بعد ثلاث أيام حيث تعرضنا لتراجع بنسبة 10 نقاط. أتذكر إلى الآن مشهد كل من أكسلرود وبلوف وغيبس وهم يقفون على باب مكتبي، فيما أستعد للنزول للطابق السفلي، في حين اعتلت وجوههم مسحة من الخجل وقلت لهم “ما الذي يحدث أيها السادة؟ “فأجابني أحدهم “حسنا نعتقد أن النتائج لن تكون كما توقعنا”.

وواصل باراك أوباما حديثه قائلا “اجتاحت الجميع موجة خيبة أمل عميقة عندما خسرت في نيو هامشير، لقد كانت البداية فقط فيما بدى أنه موسم انتخابي لا نهاية له. ونظرا لحجم الصدمة، نسي جميع مؤيديا أنني في تلك الليلة بالذات ألقيت خطابي الذي كان عنوانه “نعم نستطيع”. لقد كان خطابي موجها لتحدي الهزيمة وليس الانتصار عندما قلت “نعم نستطيع”. وأتذكر أنني سافرت لبوسطن على أعقاب تلك النتائج، حيث كان لدي حفلة لجمع التبرعات، وكان من المفروض أن ألقي خطابا بحضور مجموعة من المؤيدين لي في اليوم الموالي. أصيب أكسلورد بالدهشة وكأنه يقول “لا تبدو متضايقا البتة”، فقلت له: “هل تعلم، أعتقد أن ما يحصل هو عين الصواب. هكذا يجب أن تسير الأمور، لم أستحق بعد أن أصبح رئيسا للبلاد. ليس من السهل أن تنتقل من مجرد سيناتور لم يتجاوز مدة نيابية واحدة، وعلى الرغم من الشهرة الكبيرة التي تتمتع بها وفوزك بتجمع انتخابي واحد فقط، إلى رئيس للبلاد. أظن أن صوت الحكمة النابع عن المواطنين الأمريكيين يتحدث هنا. هل تعلم، يجب أن نَعتبر مما حصل ويجب أن نفتح بصيرتنا على كيفية خوض المعركة والتماشي مع المنحنيات التي ستعترضنا، وهذا ما يحتاجه الرئيس القادم للولايات المتحدة الأمريكية”.

لقد وجدت أنه من الغريب أن تتم المقارنة بين نكسة أوباما المؤقتة في نيو هامشير وصعود دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة، ولكن الرئيس أوباما سرعان ما بيّن الخط الفاصل بين الوضعيتين، حين أضاف، ” في حالة فوز ترامب العواقب التي ستنجر عن ذلك أخطر بكثير من فشلي، إنها المحطة الأخيرة، إنها نهاية الطريق في الانتخابات. لا يمكنك الاستيقاظ من صدمة الانتخابات . ومن الواضح أن مشاعري حول مستقبل البلاد وإلى أين ستؤدي بها نتائج الانتخابات، تبدو أكثر خطورة وجدية مما اعتقدت. ومن ناحية أخرى، كانت النتائج مثيرة للإحباط خاصة وأن هذه الحملة الانتخابية لم تكن حملتي. إن الوضع شبيه بمراقبة الأب لطفله خلال مباراة رياضية ولا يملك القدرة على السيطرة على مجريات اللعبة”.

كانت آخر مقابلة صحفية لي مع باراك أوباما إثر اجتماعه مع الرئيس الجديد دونالد ترامب في المكتب البيضاوي. وصلت لقاعة الانتظار في الجناح الغربي على الساعة التاسعة والنصف تقريبا. كانت على الطاولة نسخة من صحيفة “يو أس أي توداي” لأخبار اليوم وكان العنوان الرئيسي:” ارتفاع عدد الهجمات العنصرية في أعقاب الانتخابات”، وكانت الصورة المصاحبة للتقرير مأخوذة من ملعب بيسبول في مدينة ويلزفيل من ولاية نيويورك، حيث رسم على الحائط باستعمال الطلاء الصليب المعقوف والكلمات التالية “اجعل أمريكا بيضاء ثانية”، وذكرت الصحيفة في ذلك التقرير أيضا العديد من أعمال العنف العنصرية التي وقعت في مدينة مابل غروف، وولاية منيسوتا وتحديدا في جامعة فيرمونت هيليل، على غرار جامعة تكساس ستيت في سان ماركوس، حيث كانت الشرطة تحاول تحديد الطلاب الذين قاموا بنشر منشورات كتب عليها كالتالي ” الآن، ومع فوز ممثلنا ترامب وسيطرة الجمهوريين على كل من مجلس الشيوخ ومجلس النواب، حان الوقت لتكوين وحدات القطران والريش للقصاص وشن حملة اعتقال وتعذيب لكل القادة المنحرفين في الحركات الطلابية الذين ينادون بمبادئ التنوع والتسامح الغبية”

وكان هناك مقال آخر تحت ذلك التقرير، يتحدث عن اللقاء الذي دار بين باراك أوباما ودونالد ترامب. وكان أوباما قد تحضر نفسيا لهذا اللقاء وعزم على التصرف بكياسة عالية ولكن دون إظهار أي تنازل مقابل الرئيس الجديد، وكانت مهمته أن يقنع ترامب بمدى خطورة المسؤولية التي هو مقدم عليها في غضون بضعة شهور. وقد حاول أوباما جاهدا ألا يهين ترامب، رغم أنه من الصعب عدم التقليل من احترامه، مغبة أن يخسر الورقة الرابحة الأخيرة بيده والتي ستمكنه من التأثير في مستقبل البلاد السياسي والإدارة الجديدة.

كانت مساعي أوباما تصب بالأساس في مصلحة البلاد من خلال محاولة إقناع العالم وجعله شريكا في عملية بناء الثقة من جديد في الرئيس الجديد ترامب، بالإضافة إلى تهدئة الأسواق في مختلف أنحاء العالم والعقول على حد سواء. كما كان أوباما يريد من خلال هذا اللقاء طمأنة قادة دول العالم، والأهم من كل ذلك أن يزرع الأمل والطمأنينة في قلوب الملايين من الأمريكيين، بأن فوز ترامب لا يعني بالضرورة نهاية الديمقراطية أو بزوغ عهد جديد من الفوضى والعداء العرقي وانتهاك الدستور، ففوز ترامب ليس نهاية العالم.

ولكن حتى بالنسبة لإدارة الجناح الغربي في البيت الأبيض لم يكن من السهل تقبل الموضوع ولكن أوباما بلباقته المعهودة نجح في التعامل مع الموقف، وذلك بدا جليا عندما قام أوباما في الصباح الذي تلا ظهور نتائج الانتخابات، بمقابلة مجموعة من الموظفين صحبة رئيس موظفي البيت الأبيض، دينيس ماكدونا، حيث أخبر أوباما موظفيه أن لا يفقدوا الأمل ويجعلوا أعينهم نصب “أهداف اللعبة البعيدة المدى”.

وأخبرتني مصادر بالحديث الذي دار بين أوباما وموظفيه في المكتب البيضاوي حيث قال لهم، إن ” أغلبكم من الشباب وهذا أول نزال لكم في مسابقات رعاة البقر، البعض منكم لم يتذوقوا سوى حلاوة النصر، ولكن نحن الأكبر منكم سنا، قد عرفنا مرارة الخسارة. إنه شيء مقيت ومؤلم. إنه لمن السهل أن تكون متفائلا عندما تسير الأمور في المنحى الذي تتمناه، ولكن الوقت الحقيقي الذي تحتاج فيه أن تكون متفائلا هو عندما تنقلب الأمور إلى الأسوء”.

حاول أوباما خلال وجوده في منزله أن يرفع من معنويات فريقه والعاملين معه ويشجعهم على التفكير في إطار أكثر مهنية والتزاما.

أشاد أوباما بإدارة بوش، التي لطالما انتقدها بشكل حاد خلال حملته الانتخابية في سنة 2008، نظرا للسخاء والكفاءة التي أظهرها موظفو إدارة بوش خلال عملية تحول السلطة وتسليمها لإدارة أوباما، ودعا موظفيه أن يتعاملوا بنفس الطريقة مع الإدارة الجديدة لترامب ليعرفوا على أنهم أكرم الناس ضيافة في أكثر المنازل شهرة في الولايات المتحدة الأمريكية. كما أكد أوباما على ضرورة أن يظهروا تعاونهم وإحساسهم بالفخر حتى من خلال لغة جسدهم.

ولكن رغم الجهود الحثيثة لأوباما لتهدئة الوضع، لم يكن بإمكانه القيام بأي شيء من شأنه أن يخفف من وطأة فوز ترامب سواء داخل البيت الأبيض أو في العالم عموما. وتجدر الإشارة إلى أن فوز ترامب لم يمثل تهديدا واضحا فقط لإرث أوباما من التشريعات التقدمية التي حققها بالإضافة إلى الاتفاقيات الدولية التي أبرمها، بل أيضا لعدد لا يحصى من النساء والأمريكيين من أصول أفريقية ولاتينية على غرار الآلاف من المسلمين والأقليات الأخرى. كما أثار فوز ترامب قلق المواطنين والصحفيين والمختصين في مجال الأمن القومي وغيرهم من المؤسسات الأخرى.

كانت نتائج الانتخابات بمثابة ضربة موجعة لكل الذين كانوا يتوقعون تقدم الحزب الديمقراطي: لم يحقق الحزب الديمقراطي أي انجازات تذكر فقد استطاع انتزاع السيطرة على المجلس التشريعي لولاية إضافية فقط . أما على مستوى مجلسي النواب والشيوخ فالحزب لم يفز إلا بعدد قليل من المقاعد الجديدة في مجلس النواب واثنين فقط في مجلس الشيوخ.

شهد الديمقراطيون خسارة لأثنين من الحكام في ولايتين، مما جعل أقل من ثلث الولايات تدار من قبل حكام ديمقراطيين. إن حزب فرانكلين روزفلت وروبرت كينيدي يشهد منعطفا حرجا في تاريخه، إذ يعتبر وضعه الحالي من أضعف الأوقات التي مر بها الحزب منذ عقود.

أما بالنسبة لروسيا، كان من الواضح لماذا ابتهج فلادمير بوتين والنخبة السياسية بفوز ترامب. نعم، ترامب يمثل لهم “الأحمق المفيد” والقائد الأكثر ضعفا وارتباكا في تاريخ الولايات المتحدة، والذي من المرجح أن يكون سعيدا بمنح روسيا حرية التصرف التامة في المنطقة انطلاقا من أوكرانيا إلى دول البلطيق، كما يعتقد بوتين أن كيانه يمثل زعيم الأيديولوجيات في العالم غير الحر، عكس ما هو عليه الغرب المنافق وفي المقابل يمكن أن يجد في البيت الأبيض حليفا جديدا له.

نقل لي أحد العاملين بالبيت الأبيض أجواءه إبان ظهور نتائج الانتخابات وقال ” كنا وكأننا في جنازة، وكنت ترى ذلك في كل أرجاء البيت من خلال الموظفين الذين كانوا يسيرون في بهو المنزل منحنية رؤوسهم وعيونهم شاغرة. أخبرني باراك أوباما بأن العديد من الموظفين قالوا له إن هيلاري كلينتون كانت ستصبح رئيسة ممتازة، كما أعربوا عن استيائهم من الحملة الانتخابية التي أدارتها”.

وخلال حواري الطويل مع باراك أوباما كان لا مفر لنا من الحديث حول جو بايدن، الذي استطاع أن يثبت نفسه تحديدا أين فشلت كلينتون: في ولاية بنسلفانيا وميتشيغان وويسكونسن وولاية أوهايو. والجدير بالذكر أنه كانت هنالك حالة من الغضب والاستنكار للتدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية، من خلال الهجوم الإلكتروني التجسسي الذي شنته بمساعدة جوليان أسانج وأستُقبل بحفاوة من قبل المرشح الجمهوري.

بعد مرور ثلاثة أيام على فوز ترامب، كان جدول أعمال باراك أوباما يتضمن رحلة إلى المقبرة الوطنية في أرلينغتون، لإلقاء الخطاب السنوي حول قدماء المحاربين أمام آلاف الجنود المتقاعدين وعائلاتهم. وكانت سيارة الليموزين الرئاسية، الملقبة بالوحش، ورتل طويل من الشاحنات السوداء وسيارات الأجهزة الأمنية، تصطف في المرآب الجنوبي في البيت الأبيض. ولم يكن من الصعب ملاحظة ذلك في ظل المزاج العام الذي خيم على الأيام الأخيرة والوجهة التي سيذهب إليها الرئيس، لقد كانت الإجراءات الأمنية مشددة.

التصريح الرسمي الذي أدلى به البيت الأبيض جاء فيه؛ أن اللقاء الذي عقده أوباما مع الرئيس المنتخب دونالد ترامب في البيت الأبيض، والذي دام حوالي ساعة ونصف، جرى بشكل جيد وأظهر ترامب خلاله اهتماما وتفهما كبيرين. ولاحقا عندما سألت أوباما عن حقيقة ما جرى في ذلك اللقاء، ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة وقال: “لا أعتقد أنني أستطيع أن أصف ذلك بدون…”. ثم توقف عن الكلام وقال لي أنه لن يستطيع إخباري بذلك الآن، ووعدني أنه سيروي لي ما جرى في لقاء آخر عندما يدعوني لتناول مشروب بعيدا عن الرسميات.

لم أكن أنتظر أن يدعوني أوباما لتناول ذلك المشروب في أي وقت قريب، ولكن بعد تلك الجلسة مع الرئيس المنتخب، قال أوباما لبعض موظفيه أنه تحدث مع ترامب حول أبجديات تكوين حكومة ورسم سياسة عامة، ومواضيع مثل الاتفاق النووي مع إيران، وسياسة مكافحة الإرهاب، وتأمين الرعاية الصحية، وكان فهم الرئيس المنتخب لهذه المسائل إلى حد ما متواضعا. ترامب رغم طبيعته المتهورة في العادة، بدا خلال ذلك اللقاء مصدوما ومرتبكا من هول ما قيل له، والمسائل الكبرى التي سيتحتم عليه التعامل معها.

دينيس ماكدونا كان يتجول رفقة عائلته وبعض الأصدقاء، وفي اليوم السابق جاء إليه مبعوث ترامب ليشرح له كيفية تعيين الموظفين وإدارة البيت الأبيض، وكان ذلك الشخص هو زوج ابنته، جارد كوشنر، وذهبا في جولة في الحديقة الجنوبية.

سألت ماكدونا حول فحوى ذلك اللقاء، فرمقني بنظرة مرعبة وقال: “كل شيء يسير بشكل رائع”. ثم عض على شفتيه وحرك فمه بطريقة فيها الكثير من السخرية والتوتر، وقال: “ربما إذا واصلت التفاؤل والقول إن كل شيء يسير على ما يرام، فإن الأمور فالنهاية ستصبح على ما يرام”.

رغم أن أوباما ومساعديه كانوا دائما قلقين من الخطاب المخيف الذي يتبناه دونالد ترامب وقلة إلمامه بالسياسة، فإنهم قرروا أن أفضل طريق يجب سلكه هو ارتداء قناع الرضا والتعامل معه بكل لباقة، وكان ذلك ليس فقط خيارا شخصيا، بل كان خيارا تكتيكيا. من أجل الحصول على فرصة مواتية للتأثير على ترامب، توجب عليهم التخلي عن كل مظاهر المعارضة والتشهير التي كانوا يمارسونها ضده أثناء الحملة الانتخابية.

ربما تكون أكثر اللحظات حزنا وإيلاما بالنسبة لطاقم موظفي البيت الأبيض هي رؤية أوباما وترامب يجلسان جنبا إلى جنب في المكتب البيضاوي. هذا الرئيس الذي كافح بكرامة لإنقاذ البلاد من كارثة اقتصادية، وضغط بشدة من أجل تحقيق التقدم والتطور، في عدة مسائل تهم الحقوق الفردية والمدنية، ومكافحة ظاهرة التغير المناخي، أصبح الآن يرتدي قناع الترحيب والصداقة في وجه زائر لا يستحق غير الاحتقار، فهذا الزائر مشكوك في أخلاقه وجنى ثروته من تجارة العقارات، وبدأ مسيرته السياسية عبر نشر الأكاذيب المتعلقة بشهادة ميلاد باراك أوباما وبأن مكان مولده هو خارج أمريكا، وخاض فيما بعد حملة انتخابية تميزت بالعنصرية والتمييز ضد المرأة وكراهية الأجانب لاستقطاب الناخبين. في المكتب البيضاوي، حاول الرئيس مواساة الموظفين الشبان بسرعة، ولكن واحدا من هؤلاء أخبرني بأنه كان قلقا أكثر بشأن الجراح التي ستخلفها هذه الانتخابات لدى فئة من الأمريكيين، الذين يتعرضون بشكل متواصل للشتائم والإهانات من قبل الرئيس المنتخب.

وخلال مناسبة اجتماعية في بداية السنة الجارية، سأل شخص ميشال أوباما حول الطريقة المثلى التي يمكن من خلالها للرئيس أن يحافظ على توازنه وسط كل الدعوات التحريضية والكراهية المنتشرة في البلاد، فأجابت: “لا فكرة لديكم حول صعوبة هذا الأمر، إلا أن أوباما يمارس الهدوء وضبط النفس بشكل يفوق التصور”.

أولئك الأكثر قربا من أوباما في البيت الأبيض يقولون إنه يتعامل مع الأمور بالرصانة والصمت، وأحيانا بالسخرية لصد الهجمات، تماما كما يتم إفراغ البالون من الهواء شيئا فشيئا، كذلك يفعل أوباما الذي يفضل عدم إصدار الكثير من الضجيج. فهو لا يفقد أبدا قدرته على الالتزام الذي يدعو الناس إليه، وهو شخص في غاية الذكاء وواسع الاطلاع على ما يحدث في أمريكا، بأفضل مميزاتها وبأسوأ عيوبها. وفي السر لا تخفي ميشال أوباما تذمرها من عدة أشياء على غرار انتشار العنصرية، كما أنها عبرت عن بعض هذه المخاوف في العلن، حين تكلمت بكل حماس وقوة في واحدة من أروع خطبها في الحملة الانتخابية، حول كراهية دونالد ترامب للنساء واحتقاره لهن.

ليس هنالك شك في أن أوباما في أعماقه يحتقر ترامب كثيرا، حيث أنه يستوعب بشكل تام طبيعة ترامب وعنصريته والخطاب العدمي الذي تبناه باسم الدفاع عن الطبقة المتوسطة، إلا أن أوباما يمتلك طريقة خاصة به للمحافظة على هدوء أعصابه والتأكيد في كل مرة على ثقته في المؤسسات الأمريكية.

لقد قال لي: “أنظر، من خلال مسيرتي ومن خلال التجارب التي خضتها فإنني أؤكد أن التفاؤل الذي أحافظ عليه وأبشر به أمام الشعب الأمريكي بصفتي رئيسا هو تفاؤل حقيقي، هذا مع أعلمه كل يوم لبناتي، حول كيفية التعامل مع الأصدقاء والغرباء. أنا فعلا لا أتوقع مفاجآت سيئة لأنني في أغلب الأوقات وجدت مفاجآت سارة. لذلك من الخاطئ أن يعتقد الناس أنني أقوم باستمرار بإخفاء رأيي الحقيقي وأعض على لساني وأخفي غضبي وأتظاهر بالهدوء، أنا لست ممثلا بارعا إلى هذا الحد. لقد ولدت لأم بيضاء، ربتها أم بيضاء، وجداي أحباني بكل عمق. أنا أتمتع بعلاقات طيبة جدا مع أصدقائي دامت لعقود، وقد تم انتخابي في مناسبتين من قبل أغلبية الشعب الأمريكي، وفي كل يوم أتعامل مع أشخاص يحملون نوايا طيبة في أي مكان أذهب إليه”.

أوباما هو شخص وطني، وهو متفائل بشكل غير مألوف. وقد كان في الماضي يأمل بأن يكون النسخة الأكثر ليبرالية من رونالد ريغن، إلا أن الظروف حتمت وجود اختلافات كثيرة بين الرئيسين، لسبب معين وهو أن أوباما لا يؤمن بذلك التعريف الكلاسيكي للروح الأمريكية، الذي يفترض أن الأمريكيين يمتلكون أكثر مهارة وذكاء وفضيلة من بقية الشعوب، وأنهم ترافقهم العناية الإلهية لأن “الرب يحب هذه البلاد”. أمريكا هي دولة قامت على أفكار فلاسفة التنوير وتطورت ليس فقط بمجرد مجموعة من التشريعات، بل من خلال تحركات اجتماعية عديدة، وبالنسبة لأوباما هذا هو التعريف الحقيقي للروح الأمريكية. في السنة الماضية بمناسبة الذكرى الخمسين للمسيرة الشهيرة التي قادها مارتن لوثر كينج من منطقة سيلما إلى مونتغومري للمطالبة بالحق في التصويت، وقف أوباما عند جسر إدموند بيتوس في سيلما في ولاية ألاباما، وقدم تعريفه للهوية الأمريكية التي يجسدها أبطال البلاد الذين حاربوا من أجل الحرية: سوجورنر تروس، سوزان أنطوني، جون لويس، الأمريكيون الذين سالت دمائهم في مدن سان فرانسيسكو ونيويورك، عمال الإنقاذ والمتطوعين خلال أحداث 11 أيلول/سبتمبر، والمهاجرون والناجون من المحرقة اليهودية، والأطفال الضائعون من السودان، وكل المكافحون الذين يدفعهم الأمل إلى عبور نهر ريو غراندي من المكسيك إلى أمريكا.

الآن وقد بدأ أوباما في إجراءات نقل السلطة إلى دونالد ترامب، أصر الرئيس أمام وسائل الإعلام على أن المحادثة بينه وبين الرئيس المنتخب جرت بشكل رائع.

وجلس أوباما في مقعده في السيارة وخرج مع رتل السيارات المرافقة له من بوابة البيت الأبيض نحو شوارع واشنطن العاصمة ومنها إلى المروج الخضراء في أرلنغتون. وكنت حينها محشوا في سيارة مكتظة بمسؤولي البنتاغون، وكانوا يتهامسون خفية حول الانتخابات وما تلاها من تطورات، ولكن ما إن وصلوا إلى البوابات، وبدؤوا يرون الآلاف من شواهد القبور، ويستمعون إلى عزف موسيقى المراسم وصوت إطلاق المدفعية، صمتوا جميعا. بعد فترة أشار أحدهم إلى أن أوباما كان على وشك السفر للخارج في رحلة تدوم أسبوعا كاملا تبدأ من اليونان. وقد علق شخص آخر حينها بالقول: “اليونان مهد الديمقراطية، من الصعب السفر إليها بعد هذا الأسبوع المرير”.

بعد خطابه فوق مدرج النصب التذكاري، عاد أوباما إلى البيت الأبيض لتناول الغداء وإجراء بعض اللقاءات، شاهدته بعد ذلك في المكتب البيضاوي، يرتدي قميصا ويعقد ربطة عنقه، ثم جلس فوق الكرسي الذي التقى عليه دونالد ترامب في اليوم السابق، وطلب بعض الشاي.

طوال حملته الانتخابية كان يقول لأنصاره بأنه في صورة فوز ترامب “غير المؤهل” و صاحب المزاج الذي لا يصلح ليصبح القائد العام للقوات المسلحة فإن كل ما تم إنجازه في الثماني سنوات الماضية سيذهب سدى. فسألته عما إذا كان يؤمن فعلا بما قاله فأجاب وهو يضحك ضحكة مريبة “بما أن الانتخابات الآن انتهت، لم أعد أؤمن بذلك. وهذا ليس لأنني كنت أبالغ فيما قلته، فأنا إلى حد الآن أعتقد أن احتمالية أن يذهب كل ما حققناه مهب الريح مازالت قائمة. ولكن من الناحية العملية، ما كنت أقوله للناس وبما في ذلك الموظفين العاملين لدي، هو أن الحكومة الاتحادية ليست مجرد قارب سريع وإنما هي حاملة طائرات. وإذا كنت تريد أي دليل على ذلك، فكر ماليا في الصعوبات التي واجهناها في الثماني سنوات الماضية خاصة مع أجندة تقدمية واضحة جدا، وأغلبية ساحقة في مجلس النواب ومجلس الشيوخ، كما أن ما أنجزناه محليا في هذه الفترة لم ينجز منذ الفترة الأولى والثانية للرئيس ليندون جونسون. لكن تحقيق ذلك كان حقا جدًا صعبًا”. كما أضاف أوباما أنه “قد أنجز 70 أو 75 بالمائة مما كان يطمح إليه، وربما  15 أو 20 بالمائة استعصي عليه تحقيقه.”

ثم أردف قائلا “من الواضح أن قانون الرعاية الصحية “أوباما كير” على ما أعتقد هو الأكثر ضعفا. لذلك كان محل نقاش الجمهوريين في الست سنوات الماضية. ففي أذهان القاعدة الجمهورية هذا القانون هو مثال على برنامج حكومي هام سيأخذ شيئا منهم ويعطيه لشخص آخر لا يستحقه”. لكنه قال بأنه ورغم رغبة الجمهوريين في إسقاط هذا القانون إلا أن عليهم المضي قدما فيه، خاصة وأن العشرين مليون أو أكثر المستفيدين منه يشمل أيضا الناخبين الذين صوتوا لصالح ترامب “حتى وإن رفضوا أن يربطوا صلةً به”.

فإذا كان الجمهوريون مُصرين على ” العبث بالبرنامج أو تعديله، فهم مازالوا مطالبين بالالتزام بتوفير التأمين الصحي للأشخاص الذين اعتادوا على تلقيه. وبالتالي فإن ما عملنا على تحقيقه لن يذهب مهب الريح”.

وعلى الرغم من الاستنكارات المتكررة للرئيس الجديد دونالد ترامب، إلا أن موقف أوباما من الاتفاق النووي الإيراني مشابه لموقفه لحد كبير. وفي هذا الخصوص قال أوباما إنه “في الحقيقة لدينا من الأدلة ما يثبت ذلك، كما أن الجيش الإسرائيلي والمخابرات الإسرائيلية على دراية كاملة بهذا، ففي الواقع حقق الاتفاق النتائج المرجوة منه”. لكنه أضاف أنه على الرغم من ذلك فإن الاتفاق لم يضع حدا لبعض تصرفات إيران العدائية، لكنها في المقابل ضمنت أن إيران في الوقت الراهن لا تمتلك قدرات متقدمة لصنع سلاح في مدة زمنية وجيزة. ولذلك فالقرائن التي قدمت أنفا تؤكد أنه من غير المعقول أن يصرح الجمهوريون بمثل هذه التصريحات”، هذا الشيء قد أثبت فعاليته، وعلى الرغم من أن أوباما لم يعد يترأس البلاد فهذا الاتفاق ليس من بين الأشياء التي تعمل قاعدتنا على إلغائها، وبالتالي لن نحدث أي تغيير فيه”.

أدى هذا الكلام بالبعض إلى الاعتقاد بأن أوباما كان منخدعا عندما طالب ببعض الضمانات. وهو ما أشار له الكاتب في صحيفة واشنطن بوست، جيمس هومان، بقوله بأن أوباما الآن بلغ المرحلة الأولى من الحزن والإنكار من الخمس مراحل التي أشارت لهم الكاتبة إليزابيث كوبلر روس فيكتا في كتابها “حول الموت والممات” وبالتالي فان الغضب، المساومة، الاكتئاب، والقبول مازالوا في طريقهم إليه. لكن أوباما وبكل برود قال إن سجل ترامب الحافل بتغيير مواقفه من دون إحداث أي خسائر في صفوف أنصاره أمر مثير للاهتمام.

كانت طريقة أوباما في صياغة أفكاره جد دبلوماسية، ” أظن أن الرئيس المنتخب أظهر نفسه في صورة المرشح الذي يستطيع البقاء على تواصل مع أنصاره وهو ما أعطاه المزيد من المرونة أكثر من أي مرشح عادي آخر، أظن بأن أنصاره يثقون به بغض النظر عن ما يقوله أو ما يفعله”.

ونتيجة لذلك، يجب علينا الانتظار والتمعن عن كثب عن كيفية إدارته للسلطة. ولصياغة ما قلته بطريقة أخرى، إذا اقترحت شيئا ما وكان هذا الشيء موجود حرفيا في برنامج الحزب الجمهوري فإن ما يقارب 80 أو 90 بالمائة من الناخبين الجمهوريين سيرفضونه قطعيا ليس بسبب تقييمهم له بل لأنني أنا من اقترحته.

في الوقت نفسه رفض أوباما أن يتطرق للأسباب التي حالت دون فوز كلينتون والحزب بالانتخابات. وهو ما اعتبره رفضا لأسباب شخصية، وقال “أظن أن بعض الأسباب التي أدت لذلك بسيطة جدا، والشيء الذي استطاع ميتش ماك كونيل التفطن له منذ أول يوم لي في الحكم، هو أن الناس لا يلقون بالا لكيفية سير الأمور في واشنطن. بيد أنهم على دراية كاملة بأنه ثمة لوبيات، أشخاص يعملون لتحقيق مصالحهم الخاصة، بالإضافة إلى العوائق التي تقف في طريقهم وبأن الأشخاص ذوي النفوذ لديهم سلطة أكثر منهم.

إذا لم تكن الأمور تسير على قدم وساق وإذا كان الطريق مليئا بالمطبات، من المفترض أن الرجل الوحيد الذي يستطيع إحداث التغيير ومساعدة الناس هو الرئيس. وبالتالي فإن الاستراتيجية التي اعتمدها كل من ميتش ماك كونيل والحزب الجمهوري خلال فترة حكمهم، كانت ذات فعالية.

وما يفهم من هذا كله، هو أنه إذا تم إتباع الطراز القديم في المتاجرة، والمساومة، والانقسام الحزبي، فإن الناس سيشعرون على نحو أفضل. وإذا شعر الناس على نحو أفضل فإنهم سيكونون راضين عن عمل حزب الرئيس وبالتالي هذا سيضمن استمرارية الحزب، أما إذا شعر الناس بأن هنالك شيء ناقص أو عالق، فذلك سيعمق شعورهم بالسخط وهو ما سيؤثر سلبا على الرئيس وعلى حزبه.

أوباما كان مقتنعا بأن ترامب ظفر بالرئاسة على الأقل كبطل يعمل من أجل التصدي لمؤسسات الحكم المتمردة. لذلك قال ” أعتقد أن الرئيس المنتخب قادر على التوصل لاتفاق من شأنه شأنه شأنه أن يُفجر هذا المكان، لكن هيلاري كانت أكثر ضعفا لأنها كانت تعد دخيلة وخير دليل على ذلك التقارير التي لا تحصى ولا تعد التي كتبت عن خطابات غولدمان ( الخطابات التي ألقاها المدير التنفيذي لمؤسسة غولدمان ساكس) وهو ما أضعف فرصها، أي الفرص المعتادة للحزب الديمقراطي وهو أيضا ما ساهم في تغيير نظرة الطبقة العاملة لنا. وأنا أعتقد أن ذلك مجحف في حقنا، ولكن هذه الأسباب هي التي ساهمت في إخراجها من السباق الرئاسي”.

وأعادتني مجريات الحديث إلى ما كان يقوله في سيارته خلال جولة في شمال كارولينا، حيث صرح بأنه قبل ظهور عصر وسائل الإعلام الجديدة كان قادرا حتى كرجل أسود “مع اسم غاية في الغرابة” على مقابلة الناس في منازلهم وأن ينقل مشاعره الصادقة إليهم، “بأنه يهتم لأمرهم وأنه على اتصال دائم بهم وأنه ليس هنا من باب الشفقة، بل قد يكون هنا للأسباب الصحيحة… ولقد لاحظت وجود احترام كبير لي من قبل الناس الذين عرفوا بانحيازهم ضد الأمريكيين من أصول أفريقية أو لاتينية أو الذين لديهم أحكام مسبقة ضد النساء، إن جوهر المسألة يتمثل أساسا في: كيف يمكن أن نكسر هذه الحواجز؟”.

قمت بتذكير الرئيس الأمريكي باراك أوباما بأنه قبل ثماني سنوات عندما كنت أجري مقابلة صحفية معه حول مشكلة التمييز العرقي، حاول التملص من الإجابة خلال المقابلة الرسمية . ولكن بعد المقابلة وخلال مغادرتي للمبنى لحق بي ليذكرني بمدى صعوبة وتعقيد الموضوع، لذلك لا يمكن له التحدث بإطناب فيه. فعادت الذاكرة بأوباما لتلك المقابلة، حيث قال لي إن أي كلمة طائشة حول العرق أشبه بكلمة طائشة في سوق المال، وفي كلتا الحالتين تلك الكلمة هي بمثابة قنبلة متفجرة وسط كيان الدولة.

وصرح باراك أوباما بأن هنالك بعض الأمور التي يدركها حق الإدراك وأضاف قائلا ” نحن نعلم أنه عندما يكون هنالك حوار حول الشرطة والأمريكيين من أصول أفريقية والصراع القائم بينهما، فإن كلا من الأطراف المتنازعة ينظر للموضوع من وجهة نظره. هذا الموضوع يتسبب في ظهور أعمق الصور النمطية والأحكام المسبقة من كلا الطرفين. إن أكبر انخفاض شهدته نسب استطلاع الرأي حولي خلال الستة أشهر الأولى من مدتي الرئاسية لم تكن لها علاقة بالاقتصاد بل بسبب الأزمة العرقية التي تخللها اجتماع في البيت الأبيض عرف “بقمة البيرة”.

في شهر أغسطس/ أب، تم إلقاء القبض على أستاذ أسود بجامعة هارفرد، “هنري لويس غيتس” البالغ من العمر58 سنة، على أعتاب منزله من قبل ضابط شرطة أبيض. أعقبت الحادثة ضجة ضخمة خاصة بعد أن أبدى باراك أوباما تعاطفه مع غيتس. وأملا في تهدئة العاصفة، قام البيت الأبيض بترتيب لقاء جلسة ودية بين غيتس والشرطي. وفي هذا الصدد، قال أوباما ” إن نسب التأييد لي في استطلاعات الرأي قد انخفضت وسط صفوف الناخبين البيض، لا أدري تحديدا الأرقام ولكن أظن أنها بلغت نسبة 10 بالمائة أو أكثر”. وأضاف أوباما ” إذا لم تأخذ حذرك أثناء الحديث عن القضايا العرقية لا سيما إذا تعلق الموضوع بنظام العدالة الجنائية فإن الناس سرعان ما يغلقون أذانهم ويرفضون الاستماع لك”.

وعادت به الذاكرة إلى ذلك اليوم المشؤوم في أغسطس/ أب، وأضاف أوباما قائلا ” اعتقدت أنه إلى حد ما لن يكون كلامي مسيئا لأحد إذا قلت أنني لست مطلعا على كل الحقائق فيما يخص القضية، ولكن إذا قابلت رجلا أسود محترم ولو بدا مثيرا للريبة بالنسبة لضابط الشرطة فإنه من غير المعقول إلقاء القبض عليه وهو في بهو منزله . كنت أعتقد أن كلامي سوف يفهم على أنه تحليل منطقي للأحداث لكن ردة فعل المواطنين كانت غير متوقعة وعنيفة جدا. ونظرا للواقع الحالي، يمكن القول أنه عند الحديث في مسائل متعلقة بالأسرة والخدمات أو الرياضة أو الثقافة الشعبية، نادرا ما تظهر ردود الأفعال النمطية من المواطنين، وفي حال وجود ردود فعل من ذلك النوع، أغلب الناس يشعرون بأنه تمت إهانتهم من قبل أولائك الأشخاص. لذلك فالسؤال الذي لطالما جال في ذهني على امتداد فترتي الرئاسية وخلال هذه الانتخابات، كيف بإمكاني تعزيز الجوانب الإيجابية في طبيعتنا؟ وكيف يمكننا إخماد الدوافع العرقية لدينا؟”.

كان الرئيس باراك أوباما يتميز بقدرة خارقة على عرض المأزق الذي تمر بها البلاد، كما لو كان يقوم بصياغة دراسة علمية، على الرغم أن الوضع لا يمكن النظر إليه إلا من منطلق أنه منعطف مأساوي في التاريخ الأمريكي.

وعبر الرئيس باراك أوباما عن ما يعتقده بخصوص توليه الرئاسة، حيث قال “في مرحلة معينة من تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية لم يكن هنالك مفر من وجود رئيس مثلي. ربما كان شخص آخر يدعى غونزالس عوضا عن أوباما، ولكن وجود رئيس مثلي كان حتميا. قد أكون قد ظهرت قبل 20 سنة مما توقع الجميع، لذلك كان وصولي للسلطة مثيرا للدهشة مما وضع الدولة في موقف احتاجت فيه لوقت مطول لقبول ذلك والتعود عليه. حقيقة فوز رئيس من أصول أفريقية برئاسة البيت الأبيض، في ذلك الوقت خلق شعور متزايد بالقلق ولكن في غضون عشرين سنة من الآن قد لا تكون ردود فعل المواطنين شبيهة بما عليها الآن، وذلك مفهوم كليا”.

طرحت على أوباما السؤال التالي: كيف تكلمت مع ابنتيك حول نتائج الانتخابات وحول الأحداث العنصرية التي وقعت على إثر فوز دونالد ترامب؟

أخبرني أوباما أنه قال لهما “إن الأشخاص معقدين.. إن الثقافات والمجتمعات معقدة حقا.. إن هذا ليس علم رياضيات بل هو علم الأحياء والكيمياء حيث الكائنات الحية تتصارع وتتنافس. وظيفة كل واحدة منكما كمواطنة صالحة وكإنسانة محترمة هي الكفاح من أجل مد العون ومساعدة الآخرين بكل لطف واحترام وتفهم. يجب أن تتوقعي أنه في كل لحظة قد تضطرين لمواجهة مواقف متعصبة أو قد تنبثق من داخلك أفكار متعصبة يتوجب عليك قهرها والتغلب عليها. ليس هناك من داع للقلق حول نهاية العالم. فأجابت إحداهن بالقول “حسنا، من أين أنطلق لكي أمضي قدما في الحياة”.

بالنسبة للحزب الديمقراطي هذه الأسئلة لها أبعاد إستراتجية، فبعد باراك أوباما وهيلاري كلينتون أصبح الحزب يعاني من فراغ فعلي.

وأصر أوباما على أن الحزب لا يزال يتمتع بلائحة من السياسيين الديمقراطيين الموهوبين ولكن العديد منهم لا يزالون جددا في الساحة. وذكر أوباما السيناتور الجديد عن ولاية كاليفورنيا، کاملا هریس، وبيت بوتيدجيغ الذي أنتُخب مرتين كعمدة بلدية ساوث بند في ولاية إنديانا، وتيم كاين والسيناتور مايكل بينيت عن ولاية كولورادو.

أما فيما يخص خسارة حزبه هذه السنة في الانتخابات فقد نوه باراك أوباما إلى حقيقة أن حزبه قد شهد العديد من الانتكاسات تلتها فترات ازدهار وانتعاش. وقال أوباما في هذا الصدد “إن العديد من العاملين ضمن طاقمي هم من الشباب لذلك لا يتذكرون هذا. إنهم يتذكرون خطابي في التجمع الذي انعقد في مدينة بوسطن سنة 2004 لأنهم قاموا بتحميله على يوتيوب أو غيره من المواقع. ولكنهم لم يشهدوا الانتخابات التي خسر فيها جون كيري وأعيد من خلالها انتخاب جورج بوش، كما تمت هزيمة الزعيم الديمقراطي في مجلس الشيوخ، توم داشل، وحل محله زعيم جمهوري. كانت أغلبية مجلس النواب من الجمهوريين، كنت أنا وكين سالازار م نولاية كولورادو الممثلين الوحيدين للديمقراطيين داخل البيت الأبيض. تلك الفترة شبيهة بما نمر به الآن، وبعد سنتين استرجع الديمقراطيون مكانتهم داخل مجلس الشيوخ وأعتقد أيضا أنهم فازوا بمجلس النواب، وبعد أربعة سنوات انتُخبت كرئيسٍ للولايات المتحدة الأمريكيةٍ”.

وأضاف أوباما قائلا “إن هذا الاعتقاد هو ما يجعل الحزب لا يستسلم، فالحزب مر بالعديد من الأوقات العصيبة ويظل هذا الاعتقاد أفضل بكثير من مجرد القول أننا خسرنا وانتهى كل شيء. الآن يجب علينا إعادة ترتيب أوراقنا والعمل بأفضل الطرق. علينا التوقف عن الاعتماد على إستراتجية ضيقة الأبعاد تستقطب نسبة محدودة من المقبلين على الحزب، إذا أردنا أن نحكم ..”

وبغض النظر عن نتائج هذه الانتخابات، الديمقراطيون في وضع جيد يسمح لهم بمواصلة الفوز في الانتخابات الرئاسية فقط من خلال مناشدة القاعدة الانتخابية، والتي تتميز بالتغير الديمغرافي كل سنة”، ولتوضيح كلام باراك أوباما أكثر، يجدر بنا الإشارة لحقيقة أن نسبة السكان من غير البيض في تزايد.

كما أشار باراك أوباما إلى أنه “ما دام عدد أعضاء مجلس الشيوخ الذين يمثلون ولايتي كاليفورنيا يساوي ولاية ووايومنغ فالمشكلة قائمة، إلا إذا كنا قادرين على فتح قنوات الحوار مع المواطنين الذين هجروا صناديق الاقتراع وحثهم على التصويت من أجل سياسات جديدة تقدمية ومرشحين يتبنون هذا المشروع… كل هذا يتطلب منا حماية مكاسبنا التي حققناها، ولكن أيضا يحتاج منا إلي قدر من رباطة الجأش والهدوء الهادف والتفاؤل – من دون أن ننسى أهمية الحس الفكاهي خاصة بعد تلقينا لنتائج مثل التي تلقيناه للتو، بهذا الشكل كسب الطرف الآخر السباق”.

قبل فترة طويلة من الانتخابات، قامت السيناتور والمساعدة الأولى للرئيس باراك أوباما، فاليري جاريت، والتي تربطها علاقة متينة به، بطرح السؤال التالي عليه “ألا تتمنى أحيانا أن تترشح لولاية أخرى؟ أنا متأكدة أنك سوف تفوز ولا زال الكثير بإمكانك القيام به”.

ولكن لا رغبة لأوباما في التخلي على التعديل الثاني والعشرين من الدستور، فقال أوباما “لقد قلت لها لا لأنه في مرحلة ما تفقد الاتصال مع من حولك. وجودك في هذا المكتب يثقل كاهلك وتكتسب عادات سيئة، كما أخبرتها أننا لا يفترض بنا أن نكون هنا، بالنسبة لنا لقد حضينا بفرصتنا وأحدثنا العديد من التغيرات على الرغم من أننا تمنينا أن نحدث تغيرات أكثر بكثير مما أنجزنا، ولكن يبقى ما حققناه رائعا”.

ستطرح في فترة ترامب الرئاسية بعض الأسئلة البديهية، من هو قائد المعارضة في الحزب الديمقراطي؟ ماذا لو كانت هنالك أحداث عنف عنصرية؟ هل سيعتمد على ناطق باسمه، يكون صوتا أكثر أخلاقية منه؟ بسبب متطلبات الانتقال وتقاليد الخطابة يبدو أن أوباما لا يرغب في التطرق إلى هذا الموضوع، ولكن على الأقل فهو يرى كرسي الرئاسة أقل إشراقا، فقال: “أعتقد أنه لو فازت هيلاري كلينتون لسلمت المفاتيح بيسر لأن حقائب الأوراق منظمة في مكانها. أما الآن فأعتقد أنه تقع علي بعض المسئوليات على الأقل في تقديم النصح لمن سيواصل من بعدي حول مساهمة للحزب الديمقراطي في إعادة البناء، وكيف يمكن لأحزاب الدول المتقدمة أن تعمل مع بعض”.

انتصر ترامب في المناطق الريفية من خلال دعم سياسة وقف شعور العداء للمناطق الحضرية والساحلية، كما يرفض أوباما حتى الآن أن يعترف بأن الجمهوريين قد فهموا مشكلة عدم المساواة، فقال :”لا يهتم الجمهوريون بهذه المشكلة، فلا ملامح تؤكد أنهم يعملون على تجاوزها، ولن يقدموا أي مقترح يقلص من عدم المساواة في الكونغرس… ما أجعل نفسي مهتما به وما سيهتم به الحزب الديمقراطي هو حقيقة تلاقي العولمة والتكنولوجيا، والفجوة الكبيرة التي تتسع الآن بين الأغنياء والفقراء، وعدم تطابق القوى بين الرأسمالية والقوى العاملة، وهذا صحيح في العموم”.

وقال أوباما “بعض العلاجات التي يوفرها البعض، مثل وقف التجارة العالمية وتخفيض الاندماج العالمي، لا أظن أنها ستؤتي أكلها، وإن لم ينجح هذا فسنعمل على إعادة تشكيل التأثير الاجتماعي بشكل جذري خلال العشرين سنة القادمة. وأنا أعلم كيف أبني جسرا نحو هذا التأثير الاجتماعي الجديد، ستكون البداية من كل الأشياء التي تحدثنا عنها في الماضي، مثل تعليم الصغار في وقت مبكر، مواصلة التعليم، التدريب الوظيفي، شبكة الأمان الاجتماعي الأساسية، توسيع الائتمان الضريبي على الدخل المكتسب، الاستثمار في البنى التحتية – والتي هي للتذكير مشكلات لم تأتينا من الخارج”.

وأكمل قائلا: “كل هذه الأشياء تسرع في النمو، وتمنح مدارجا للصعود إلى الأعلى، ولكن المشكل ليس في أوبر ولكن في أوبر ذاتية القيادة، عندما يصبح موظف الأشعة عاطلا عن العمل لصالح الذكاء الصناعي إذا علينا أن نعرف كيف نحافظ على التماسك الاجتماعي والديمقراطي، حيث خلق الثروة غير مرتبط بشكل مباشر بعدد الساعات التي تمضيها في عمل ما، حيث يكسر الرابط بين الإنتاجية وتوزيع الثروة بنحو ما. لأنني أستطيع أن أجلس في مكتبي وأقوم ببعض المهام ثم أرسلها عبر الانترنت فأكون قد كسبت بعض الملايين من الدولارات، بينما الشخص الذي يعتني بأبنائي خلال إنجازي لتلك المهام لا يكسب أكثر من عشر دولارات في الساعة”.

ذلك الشعور بوجود عمل يجب أن ينجز على المستوى السياسي والاجتماعي، عند قوله (“أعلم كيف أبني جسر التأثير الاجتماعي”) غرس الدور الذي يقوم به الرئيس السابق والذي رسمه لنفسه. قائلا: “سيكون عمري 55 سنة عندما أغادر مكتب الرئاسة، آملا أن أتمتع ببعض السنين من الصحة الجيدة، أكون على الأقل حينها أنا وميشال نفكر في بناء محطات وشبكات للقطار والطاقة تكون محفزا للقيادة القادمة”.

وقال: “وأعتقد أنه مهما أخذ مركزي الرئاسي من إطار فإني سأبقى أقل اهتماما بإنشاء حملة من الملصقات الدعائية للترويج لفساتين ميشال، على الرغم من اعتقادي أن فساتين زوجتي ستكون الأفضل بفارق كبير، ولكن ما سأكون مهتما به هو وضع برمجة تساعد في بناء شخصية القيادات المقبلة لهذه البلاد، تلك القيادات التي هي جالسة الآن تفكر في كيفية جعل أفكارها حية، لم أحدد ماذا سأفعل – من أجل توفير موارد وسبل للتفكير في التحول الاجتماعي”.

بدا وكأنه يعود بالذاكرة إلى الأيام التي كان يعمل فيها على مشروع الإسكان “ألتجالد غردنز”، في الجانب الجنوبي لشيكاغو. ثم أضاف “الأمر الذي لطالما كنت على اقتناع به هو الترابط الموجود في مسيرتي المهنية، والذي يتعلق بكون الناس العاديين قادرين على القيام بأشياء جيدة إذا ما أوْلوا اهتمامًا وإذا ما عرفوا القوى المؤثرة في حياتهم”.

كل الفترات الرئاسية السابقة تتميز بوجود مذكرات للرؤساء، الأمر الذي اعتبره أوباما مغيظا، حيث قال “ملاحظتي حول قراءة المذكرات الرئاسية هي أنها مليئة “بثُم حدث هذا، ثم حدث ذلك”. وقال إنه لم يتمكن من ترك مذكراته في البيت الأبيض وأبدى تعجبه من تمكّن جيمي كارتر “من وصف ما يحصل بصفة يومية، ما الذي تناوله على الإفطار؛ وما الذي حصل هنا وما الذي حصل هناك”. وقال أوباما، أيضا، إنه لا يمكن أن يكون حرا مجددا، كما كان عندما ألّف كتاب “أحلام من أبي”. ثم أضاف أوباما “إن الأمر يتعلق باللياقة، فإن كانت لك لقاءات مع أناس تم إخبارهم أن تلك اللقاءات سرية، فلا يُعقل أن يكتب عنها في المذكرات“.

بعد الساعة الرابعة، وبعد ساعتين من الحوار، آن وقت رحيل أوباما، فهو عادة ما يأخذ قسطا من الراحة خلال عطلة نهاية الأسبوع ويلعب رياضة الغولف يومي السبت والأحد، ثم سيغادر في رحلة إلى أوروبا وأمريكا الجنوبية يوم الاثنين

خلال فترة رئاسته، أدرك أوباما أن مهمته تتمثل في مواصلة طمأنة الجميع ومواصلة نفي احتمال انتهاء العالم، تماما كما كان يفعل مع موظفيه. وهذا الأمر يتطلب جهدا، خاصة وأن الفريق الانتقالي للرئيس الذي سبقه كان قد أبدى علامات وجود صراعات داخلية فوضوية وعلامات تفضيل لعدد من الرجعيين، ومنكري وجود ظاهرة تغير المناخ، وقادة التطرف اليميني.

خلال رحلته إلى أوروبا، ستكون أول محطة لأوباما في أثينا، حيث سيلقي خطابا حول الشعبوية والقومية والعولمة والقبلية. وسيتحدث أوباما أيضا، بشكل ضمني، عن فوز دونالد ترامب الذي قد لا تُحمد عقباه.

خلال خروجي من بوابات البيض الأبيض، فكرت في صباح أرلينغتون. فقد كان الطقس مشمسا وباردا وكانت الأوراق الجافة منتشرة. جعلني هذا الطقس أتذكر يوم الانتخابات منذ ثمان سنوات في شيكاغو. وكان أوباما حينها قد أدلى بصوته بالقرب من منزله، على الجهة الجنوبية من الولاية، وأُعْلن عن انتصاره، في تلك الليلة، بينما كان محاطا بزوجته وبناته في “غراند بارك”. وفي خطاب له أمام قرابة ربع مليون شخص، قال أوباما “على الرغم من أن الحزب الديمقراطي حقق نصرا عظيما الليلة، فإننا نستقبل هذا الانتصار بقدر من التواضع والتصميم على إنقاذ البلاد من الانقسامات”. ثم استشهد بكلمات أبراهام لينكولن التي ألقاها على أمة أكثر انقساما منا، قائلا “نحن لسنا أعداء، بل نحن أصدقاء، ربما انعدمت العاطفة، لكن لا يجب أن ندع ذلك الأمر يكسر أواصر محبتنا”.

أخذ أوباما الذي بدت عليه مظاهر الكبر في السن، إكليلا من الزهور لوضعها على قبر الجندي المجهول في أرلينغتون، قائلا “هذا قبر جندي أمريكي لا يعرفه إلا الله”. وتذكرت في تلك اللحظة أن ترامب سيكون في نفس المكان في السنة المقبلة. سيكون دونالد ترامب، الذي كان مقدم البرنامج الترفيهي “سيلبريتي أبرانتس” وصاحب جامعة ترامب، في غرفة علميات البيت الأبيض، وفي “10، داوننغ ستريت” وفي قصر “الإليزيه”.

خلال ذلك الخطاب الذي ألقاه أوباما في أرلينغتون ذلك الصباح، تمكن أوباما من إيصال رسالة سياسية. وهذه المرة، تعدت هذه الرسالة مجرد الدعوة إلى عملية انتقالية منظمة، بل ألقى “أنشودة نصر” حول قيم كان ترامب قد رفضها في عديد الأحيان، حيث قال أوباما “إن يوم المحاربين القدامى عادة ما يتبع حملة سياسية مشحونة وتمرينا في حرية التعبير والحكم الذاتي الذي حاربتُ من أجله. وغالبا ما تفضح هذه الحملات عددا من الخلافات في أمتنا. لكن الغريزة الأمريكية تتمكن من إيجاد عقيدة مشتركة وتحقيق الوحدة من خلال التنوع الموجود في بلادنا، والحفاظ على هذه القوة والوحدة. هذا مثال على المؤسسة الأكثر تنوعا في بلادنا: بحارة وطيارون ومشاة وجنود يمثلون كل ركن من حياتنا، كلهم تحت ظل الإنسانية، منهم مهاجرون ومنهم أمريكيون ومنهم مسيحيون ومسلمون ويهود وملحدون، كل هؤلاء في خدمة واحدة مشتركة”.

أعطت إيقاعاته الرصينة صدى لكلماته التي كان يمكن أن تكون مجرد خطاب روتيني. كانت هنالك رؤية أمل في وجود تنوع وكرامة، وسماع كلماته هذه ذكّرني في خطاب الفوز الذي ألقاه قبل ثماني سنوات، والذي قال فيه “إن كان هناك أي شخص يشك أن الولايات المتحدة هي مكانٌ كل شيء فيه ممكن، هذه الليلة هي الإجابة لكل الشكوك”. وحصلنا على إجابة مختلفة جدا خلال يوم الانتخابات هذا. بالفعل، إن الولايات المتحدة مكان كل شيء فيه ممكن: ذلك هو وعدها الأعظم وأكبر مخاطرها.

المصدر / نيويوركر / ديفيد ريمنيك

الترجمة / نون بوست

Facebook Comments