%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%b3%d9%8a-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ae%d9%88%d8%a7%d9%86

انتشرت شائعات في القاهرة بأن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يبحث عروضاً مقدمة من جماعة الإخوان المسلمين للتصالح مع النظام. مع هذا, من الناحية العملية, لا يوجد ما يدعم هذه الشائعات في القاهرة. وكذلك لا يوجد من الناحية التحليلية ما يشجع على تصديق هذه الشائعات.

لقد نجح السيسي في دفع الإخوان المسلمين إلى حيث أرادهم أن يكونوا. لقد جُرّد التنظيم من قادته, وأمواله, وقدرته على حشد أي قطاع من الشعب وهيكله التنظيمي. تم اختزال الجماعة إلى مجرد “فكرة” بقليل من التواجد الملموس. حتى مع كونها فكرة, انعزلت إلى حد كبير عن المصريين العاديين. إن أوضاع جماعة الإخوان المسلمين في مصر اليوم تشبه إلى حد كبير أوضاعها في الستينيات.

ظهر آخر تجلي لفشل جماعة الإخوان المسلمين عندما وجه التنظيم دعوة إلى المصريين للثورة على حكومتهم يوم 11 نوفمبر. لم يتحرك أحد. حتى شباب المدن الذين لا يهدأون لم يتحركوا. صحيح أن قوات الأمن حافظت على تواجد واضح في الشوارع في ذلك اليوم. لكن الشباب المصري نزل للتظاهر في الفترة من 25 يناير إلى 11 فبراير عام 2011 على الرغم من استخدام القوة

كان من الواضح أن جماعة الإخوان المسلمين أرادت الاستفادة من المعاناة الاقتصادية التي يمر بها حالياً المصريون من أصحاب الدخل المنخفض. لكن هذا لم ينجح. وجد قادة الجماعة المتهورون أنفسهم بذخيرة محدودة تكفي فقط لاغتيال ضابط شرطة أو قاضِ. لكن الجميع يعرفون أن هذه التكتيكات تزيد من عزلة الجماعة ولا تسبب أي ضرر للنظام.

مع هذا, تقول الشائعات عن التصالح المزعوم أن جماعة الإخوان سوف توقف أنشطتها السياسية لمدة خمس سنوات, وتمتنع طواعية عن المشاركة أو التصويت في أية انتخابات لنفس المدة وتحجم عن أي نشاط قد يُنظر له على أنه معارضة للحكومة. في المقابل, لن يُطلب منهم التصريح بدعمهم للسيسي, وسيُفرج عن سجنائهم وسيُسمح للهاربين خارج البلاد بعد سقوط حكومتهم منذ أكثر من عامين بالعودة دون محاكمات.

يوجد أمرين ينبغي تذكرهما في هذا السياق:

  1. استهلكت جماعة الإخوان المسلمين كل خياراتها لإثارة أي تحرك شعبي مُجدي ضد السيسي. لم ينجح أي منها. حتى الضغط الخارجي من بعض القوى الإقليمية لم يثمر عن أية نتائج. إن السلاح الوحيد في يد التنظيم يأخذ شكلاً سلبياً مباشراً: سوف نُحجم عن أعمال العنف داخل مصر للمساعدة في استعادة الاستقرار وجلب الاستثمارات الأجنبية. لكن حتى هذه الرسالة السلبية لم تجذب إهتمام القاهرة.
  2. التنظيم منقسم إلى معسكرين: التقليديون الذين يرغبون في رؤية نهاية لعجز الجماعة حتى لو على حساب دورها السياسي, والمتطرفون الذين يطالبون بمواصلة القتال ضد النظام. هذا الانقسام له تداعيات على الطريقة التي تتعامل بها الجماعة مع أزمتها التنظيمية الحالية. لا يستطيع التقليديون متابعة الأمر بطريقتهم من دون المخاطرة بالتعرض لهجوم شرس من المتطرفين. وبالتالي, فرصة التصالح محدودة حتى من وجهة نظر التنظيم, إلا إذا وافق التقليديون على تقسيم الجماعة.

وهكذا, في حين أن كل الأسباب الموضوعية تدعو لمزيد من التنازلات الكبيرة من جانب قيادات الإخوان المسلمين لصالح النظام, إلا أن إمكانية فعل ذلك تبقى محدودة بسبب الانقسام الداخلي داخل الجماعة.

لكن هناك عامل ثالث والذي ربما يلقي بظلاله على المسار المستقبلي لجماعة الإخوان في مصر: تغير القوى السياسية في الدول الغربية وصعود آراء تعتبر الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابياً وترفض أي تمثيل للآراء المتطرفة.

في كثير من الحالات, هذا الرفض يتم لأسباب خاطئة. مع هذا, يبقى رفضاً على أية حال. إن صعود تلك الآراء, التي أقل ما يُقال عنها أنها معادية للإخوان المسلمين, أصبح ملحوظاً في الولايات المتحدة, وبريطانيا والإتحاد الأوروبي, لا سيما فرنسا حيث وعد مرشح جناح اليمين فرانسوا فيون باعتبار الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابياً.

في الولايات المتحدة, خسر الإخوان المسلمون “قنوات الإتصال الخاصة” مع واشنطن نتيجة للانتخابات الأخيرة. في المملكة المتحدة, وعلى الرغم من أن التنظيم لا يزال يتمتع ببعض العلاقات مع أجهزة حكومية معينة, البيئة هناك ليست ودودة أيضاً.

يمتلك الإخوان المسلمون مساحة ضئيلة للمناورة خارج هذه الدول الثلاث في القُطر الغربي. في المناطق الأخرى, لديهم تركيا, التي تبدو الآن منشغلة بقضايا أخرى مثل تعزيز علاقاتها مع موسكو, حيث تُعتبر أي شخصية تابعة للإخوان المسلمين شخصاً غير مرغوب فيه.

إن العالم الذي سمح للإخوان المسلمين بدرجة من التحرك الحر ينهار الآن في الوقت الذي يمرون فيه بأضعف حالاتهم منذ عقود.

كانت بعض القوى الإقليمية لا تزال تدفع فكرة أن تجعل القاهرة تمنح الإخوان المسلمين فترة سماح للتعافي. تلك القوى تضع نصب أعينها الوضع في البلدان الأخرى في الجوار وتأمل أن الإخوان المسلمين سيساعدون في مواجهة التوسع الإيراني هناك. لكن تلك الجهود لم تسفر عن أية نتائج.

إن فكرة أن الإخوان المسلمين يمكنهم أن يساعدوا القضية العربية في مواجهة إيران موضع شك. إن الفوضى العامة والاستقطاب الإقليمي أخذوا كل العناصر الإقليمية, بما فيها جماعة الإخوان, إلى منطقة جديدة حيث يصبح التنظيم صوتاً من الماضي. إن الانقسام في الشرق الأوسط عميق جداً لدرجة توليد جماعات في منتهى العنف والتطرف فقط. تماماً مثلما يحدث على الصعيد العالمي, الأفكار العالمية تتراجع ويصعد بدلاً منها نمط مختلف من التفكير السياسي بصورة تفوق التوقعات.

هل هذا يعني أن جماعة الإخوان المسلمين قد انتهت؟ لا. التنظيمات من هذا النوع لا تظهر وتختفي بين ليلة وضحاها. إذا كسب المتطرفون في جماعة الإخوان, سوف يمثلون إضافة ضئيلة لسلة إقليمية تمتلئ بالمتطرفين. إذا ربح التقليديون, سيكون عليهم التخلي عن مذهب قطب ورفض الدولة القومية. تُعد مصر واحدة من أقدم الدول في العالم إن لم تكن أقدمها.

لم تهزم الحكومة المصرية جماعة الإخوان المسلمين بمفردها. وإنما جماعة الإخوان هزمت نفسها بنفسها, وجاءت رياح التغيير العالمية لتُنهي أحلامها بالعودة إلى أمجاد الماضي. إذا لم تدرس الجماعة أزمتها بطريقة صحيحة, سوف تُنهي المهمة التي بدأتها عندما وضعتنفسها في هذا المكان البائس الذي هي فيه الآن. 

Facebook Comments