%d8%ae%d9%84%d9%8a%d9%81%d8%a9-%d8%a8%d9%86-%d8%b3%d9%84%d9%85%d8%a7%d9%86

وفقًا لما صرح به رئيس الوزراء البحريني الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة، فإن “المنطقة تواجه عدة مشاكل أمنية وتحديات اقتصادية وقضايا خطيرة أخرى لا تقل أهمية عن سابقتها”، كما أعلن رئيس الوزراء البحريني مؤخرًا أن تحويل مجلس التعاون الخليجي إلى اتحاد، هو الهدف المنشود الذي ستُناقش أبعاده في منتدى حوار المنامة الذي سينعقد في التاسع من كانون الأول/ ديسمبر الحاليّ.

دعت المملكة العربية السعودية والبحرين دول الخليج، سنة 2013، إلى تشكيل اتحاد في القمة التي انعقدت في تلك السنة، لكن وزير الشؤون الخارجية العماني يوسف بن علوي بن عبد الله، أعرب عن رفض مسقط لمساندة مثل هذا المقترح، وشاطرت كل من الكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة رأي عمان في إعراضها عن دعم الحلم السعودي. 

لكن المفاجأة الكبرى تمثّلت في تغيير عمان لموقفها خلال الشهر الماضي، وهي أكثر دولة خليجية معروفة تاريخيًا باستقلاليتها كعضو في مجلس التعاون الخليجي، ولعل هذا ما يؤكده وزير الديوان الملكي غانم البوعينين الذي صرح الشهر الماضي بالتفاؤل بشأن هذا المشروع وحماسته لتشكيل الاتحاد مع بقية أعضاء المجلس.

هل تعتبر آمال الوزير العماني استنادًا إلى مواقف الدول الخليجية الأخرى، منطقية عند توقعه لإمكانية مساندة الكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة لمقترح الاتحاد في المنتدى الذي سيجرى هذا الشهر؟ لعل هذه الشكوك التي تساور العديد بشأن هذه المسألة تعد منطقية نوعًا ما، فأغلب أقطار مجلس التعاون الخليجي تعتبر المملكة العربية السعودية حليفًا مهمًا، لكنها تعتقد أيضًا أن هذا البلد النفطي يسعى دائمًا إلى فرض هيمنته على بقية الدول الأعضاء، دون احترام سيادتها. 

ونظرًا إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي تعمل على التركيز على جملة من القضايا الداخلية والتطورات الإقليمية، بالإضافة إلى تباين الآراء بين العائلات الحاكمة، فإن المسؤولين في الرياض والمنامة يرون أن مشروعهم لن يلقى استحسانًا كبيرًا.

ويعود السبب وراء إقدام المسؤولين في السعودية والبحرين على تقديم هذا المقترح إلى نظرائهم الخليجيين إلى الاضطراب الأمني، وتفاقم الأزمات الأمنية التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط، وبالنسبة للسعودية والبحرين، فإن هذه الأسباب تعد كافية لدق ناقوس الخطر والاستفادة من قوة الاتحاد في صد التهديدات الخارجية.

لكن هل ستنجح الدولتان في إقناع الكويت وقطر والإمارات بأن الوقت قد حان لتشكيل الاتحاد؟ وهل يجب على حكام هذه الممالك الصغيرة الأخذ بعين الاعتبار المساومة بخصوص الليبرالية السياسية؟ وهل يجب عليهم تقبل فكرة التمتع باستقلالية أقل عن الرياض والتخلي عن مخططاتها التنافسية لتمكين السعودية من فرض نفوذها الإقليمي؟ كل هذه المخططات هي مجرد طموحات ينبغي التضحية بها في سبيل تعزيز التعاون الأمني. 

تعتبر الكويت من الدول الخليجية الأكثر تمتعًا بحياة سياسية حيوية وبمؤسسات ديمقراطية، وتعزى معارضة الكويت للاتحاد إلى مخاوفها بشأن “إجراءات الأمن الجماعي” التي يمكن أن تمنح المملكة العربية السعودية ودول خليجية أخرى فرصة إسكات صوت المعارضة الكويتية وعرقلة نشاطها السياسي. 

كما أفرزت انتخابات مجلس الأمة الكويتي المبكرة، في الشهر الماضي، عن ظهور جملة من الأعضاء المعارضين بمن فيهم الليبراليين والإسلاميين الذين ستعمل دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى على منعهم من تقلد مناصب سيادية في هياكل الدولة، فضلاً عن ذلك، فإن شعور الكويتيين بالفخر تجاه “نصف الديمقراطية” والشفافية والانفتاح النسبي جعل مختلف الأطياف السياسية في الكويت يرفضون مفهوم الاتحاد.

تتمتع قطر، أكبر دولة مصدرة للغاز الطبيعي السائل في العالم، بأعلى نصيب من الناتج الداخلي الخام، متفوقة بذلك عن نظيراتها في مجلس التعاون الخليجي، وتعتبر مسألة إعادة توزيع الاتحاد للثروة على بقية دول الخليج الأفقر ضمنها، أكثر ما يثير مخاوف القطريين، علاوة على ذلك، طوّرت الدوحة، خلال سنوات، علاقات متينة مع جميع الفصائل الإسلامية في جميع أنحاء المنطقة واستضافت العديد من المنتسبين إلى جماعة الإخوان، على حساب علاقتها مع دول التعاون الخليجي.

إن الإشكال المطروح هنا يتمثل في أن بقية دول الخليج مثل الإمارات العربية المتحدة، تعتبر جماعة الإخوان منظمة إرهابية، وبما أن قطر عضو في المجلس فما سيكون مصير الشيخ يوسف القرضاوي وبقية الشخصيات الإسلامية البارزة التي تعيش في الدوحة؟

لقد عارضت الإمارات العربية المتحدة أيضًا خطط تحويل مجلس التعاون الخليجي إلى اتحاد، لأن الإماراتيين يرون أنفسهم منافسين للمملكة العربية السعودية لتشكيلهم ثقلاً ماليًا لا يستهان به في المنطقة، بالإضافة إلى إمكانية قطع أبو ظبي للدعم المالي الموجه إلى البنك المركزي الخليجي بالرياض، فضلاً عن ذلك، فإن الإمارات، التي تشهد حملة ضد الإسلاميين، تعتقد أن جماعة الإخوان تسعى نيابة عن المملكة العربية السعودية وقطر إلى تقويض سيادة دولة الإمارات الوطنية واستهداف استقلاليتها.

أما بالنسبة لعمان، فإن مساعي الحكومة إلى توطيد علاقاتها التجارية والدبلوماسية مع إيران في مجال الطاقة والأمن، فقد كان من العوامل التي دفعت المعارضة العمانية إلى دعم الاتحاد، وهو ما من شأنه أن يؤثر سلبًا على علاقة السلطنة بطهران، أما بالنسبة للكويت وقطر، اللتين تتمتعان بعلاقات طبيعية نسبيًا مع إيران، فإن قادة الدولتين لديهم نظرة مخالفة عن إيران. 

تختلف هذه الرؤية تمامًا عن رؤية القادة في البحرين والسعودية، إذ تمنح عائلة آل صباح (في الكويت) وعائلة آل ثاني (في قطر) حقوق الأقليات الشيعية وتحظى بولائهم، لعل هذا الأمر هو ما ينفي إمكانية حدوث ثورة أو تمرد في الكويت تستلهم مبادئها من الثورة الإيرانية الشيعية بفضل عدم توفر مناخ للخلافات الطائفية في هذه المجتمعات منذ نهاية حرب الخليج الأولى، كما أن الأمر سيان بالنسبة لقطر التي لم تتعرض لأي تهديد منذ اعتلاء آية الله روح الله الخميني للسلطة سنة 1979.

تختلف هذه النظرة نحو إيران في جوهرها عن نظرة المملكة العربية السعودية وتطلعات البحرين، التي تقوم على اعتبار إيران دولة معادية وخصم يسعى إلى الإطاحة بآل سعود وآل خليفة من خلال قيادة ثورة عنيفة، وتتقاسم المنامة والرياضة وجهة نظر مشتركة تجاه إيران التي تعتبرانها تهديدًا وجوديًا بالنسبة للمملكتين، الأمر الذي دفع البحرين إلى مزيد من التشبث بموقفها المساند للاتحاد. 

اتخذت دول مجلس التعاون الخليجي، بدرجات متفاوتة، احتياطها من مسألة تنامي نفوذ إيران في منطقة الشرق الأوسط من خلال الحفاظ على تحالفاتها مع الرياض وتعزيز موقعها في المجلس، في حين تعاملها باحتراز في علاقاتها الطبيعية مع طهران.

وعلى الرغم أن هذه الدول لم تسر على نفس منوال عمان، من حيث النظر إلى إيران كمزود للغاز الطبيعي، فربما ستأخذ يومًا ما بعين الاعتبار احتمال استيراد الغاز الإيراني إذا أبقت على استقلالها النسبي عن السعودية ونأت بمخططاتها التنموية عن أطر مجلس التعاون الخليجي، لكن تجدر الإشارة إلى أن الاتحاد من المرجح أن يفشل أي خطط كويتية أو إماراتية تهدف إلى إبرام عقود الغاز الطبيعي مع إيران.

قد ظهرت، مما لا شك فيه، جملة من الأخطار الجديدة التي تهدد أمن دول مجلس التعاون الخليجي، وبوجود تنظيم الدولة وعزم إيران على إلغاء الاتفاق النووي وتدهور الوضع في اليمن، فإن دول مجلس التعاون الخليجي في حاجة ماسة إلى تكوين اتحاد لتعزيز الأمن والاستقرار الجماعي، وعلى ضوء فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية، فإن هناك مخاوف كبيرة في دول مجلس التعاون الخليجي بشأن مدى التزام الولايات المتحدة بدعمها، وفي هذا السياق، يبدو من المرجح أن الأقطار الخليجية ستسعى إلى تحقيق الوحدة والتماسك فيما بينها للتصدي للتهديدات الإقليمية والاستعداد للتغييرات التي ستطرأ على سياسة واشنطن الخارجية.

لكن الأرضية السياسية المختلفة لدول مجلس التعاون الخليجي الستة والسياسات الخارجية والطموحات الإقليمية، تعتبر جميعها مصدر قلق مشترك لهذه الدول بشأن التأثير الذي ستشكله المملكة العربية السعودية على دول الخليج ومواقفها المخالفة لها بخصوص إيران، هذه الأسباب كفيلة بتقويض مقترح الاتحاد الذي تروج له الرياض والمنامة، وتعملان على تكوينه في المستقبل القريب.

ومع ذلك، حتى إذا فشل السعوديون والبحرينيون في الحصول على دعم من الكويت والدوحة وأبو ظبي لتحويل مجلس التعاون الخليجي إلى اتحاد، فإن الحجج التي تراهنان عليها لاستمالة الدول المعارضة ستظل تتمحور حول الأزمة الأمنية في منطقة الشرق الأوسط وهيمنة إيران المتزايدة. 

المصدر / المونيتور / جورجيو كافييرو

ترجمة / نون بوست

Facebook Comments