%d8%aa%d9%8a%d8%b2%d8%a7-%d9%85%d9%8a-%d9%85%d8%b9-%d8%b3%d9%84%d9%85%d8%a7%d9%86-%d9%88%d8%ad%d9%85%d8%af

تواجدت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي في البحرين لكي تلتقي بقادة دول مجلس التعاون الخليجي الست على هامش القمة السنوية لمجلس التعاون الخليجي يومي 6-7 ديسمبر. ماي, التي تولت منصبها في يوليو في أعقاب التصويت على الخروج من الإتحاد الأوروبي واستقالة رئيس الوزراء ديفيد كاميرون نتيجة لهذا, هي أول رئيس وزراء بريطاني يحضر قمة مجلس التعاون الخليجي – وثاني قائد غربي تتم دعوته لفعل ذلك, بعد فرانسوا هولاند.

بعد مضي حوالي ستة أشهر على التصويت لخروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي, تبقى الآليات والإطار الزمني لعملية انسحاب بريطانيا رسمياً من الإتحاد الأوروبي دون حل و, بالنظر إلى تعقيداتها, ربما تكون غير قابلة للحل. في ظل الغموض السياسي المتصاعد حول طبيعة علاقات بريطانيا المستقبلية مع الشركاء الأوروبيين ومكانها في العالم عقب الخروج من الإتحاد الأوروبي, حدد وزراء الحكومة مجلس التعاون الخليجي كرهان مؤكد لصفقات التجارة والاستثمار.

منذ أن تولت حكومة كاميرون المحافظة المنصب في 2010, في تحالف مع الديموقراطيين الليبراليين, ركزت بشدة على بناء علاقات اقتصادية وتجارية مع الدول الخليجية وإعادة بناء الروابط التاريخية التي عانت خلال 13 عاماً من ولاية حكومة حزب العمال, من 1997 حتى 2010, تحت حكم توني بلير وجوردون براون. في واقع الأمر, كانت أول زيارة خارجية لكاميرون كرئيس للوزراء في 2010 إلى الإمارات العربية المتحدة, والتي أعقبها توقيع إتفاقيات ثنائية بين الجانبين. سعى كاميرون بكل قوته في محاولة غير مجدية في النهاية لإقناع الإمارات بشراء مقاتلة تايفون من بي أيه إي سيستيمز, وأيضاً بمشاركة شركة بريتش بتروليوم في تجديد عقد إمتياز النفطالبري المربح في أبو ظبي. أصدرت الحكومة البريطانية أيضاً مراجعة حكومية لجماعة الإخوان المسلمين تحت ضغط شديد من الإمارات والسعودية, اللذان صنفا الجماعة رسمياً تنظيماً إرهابياً في مارس 2014.

انتقد المعارضون والنشطاء الحقوقيون السياسة الخارجية “التجارية” لحكومة كاميرون لإعطائها الأولوية للتجارة والاستثمار على حساب قضايا الحقوق السياسية والإنسانية. لم تكن تلك السياسة ناجحة بصورة متجانسة, كما أظهرت أمثلة بي أيه إي سيستيمز وبريتش بتروليوم, في حين أن العلاقات البريطانية مع السعودية والإمارات توترت بسبب النقد البرلماني للحملات القمعية التي مارستها حكومتا الدولتين وسط ثورات الربيع العربي في 2011. مع هذا, التركيز الوزاري المعزز على العلاقات التجارية لم يساعد في تقوية العلاقات البريطانية-الخليجية حيث أفسحت المرحلة الأولى من الثورات العربية المجال لمجموعة من الانتقالات المطولة العنيفة والفوضوية. ارتفعت التجارة بين بريطانيا والإمارات بأكثر من 60 في المائة في الفترة بين 2009 و2013 وحدها. إضافة لهذا, منذ 2013, عادت البحرية الملكية إلى مياه الخليج, التي كانت خاضعة للحماية البريطانية في الفترة بين 1820 و1971. أحيا ساسة بريطانيون كبار مصطلح “شرق السويس” القديم الذي يعود لعصر الاستعمار والذي كان قد اختفى لعقود عقب انسحاب الجيش البريطاني من الخليج عام 1971.

لذلك, ليست مفاجاة أن حكومة ماي الجديدة اختارت مضاعفة انتشارها في المنطقة لمحاولة موازنة الغموض المتصاعد الذي يحيط بشراكات بريطانيا العالمية الأخرى. يُعد الخليج أحد المناطق القليلة التي تمتلك فيها بريطانيا ميزة طبيعية, جزئياً من خلال إحساس بالتاريخ المشترك وأيضاً من خلال القيمة الناعمة المتمثلة في العائلة الملكية البريطانية. تبنى صناع السياسة البريطانيون “حواراً بين مملكتين” مع السعودية في أواخر العقد الأول من الألفية, مؤكدين على تراثهم الملكي المشترك, ولو أن نتائج المبادرة كانت محبطة. إن الزيارات المنتظمة للخليج التي يقوم بها الأمير تشارلز والأمير أندرو, وكذلك أيضاً علاقة الملكة إليزابيث الوثيقة بقادة الخليج الكبار, مثل أمراء البحرين والكويت, تسمح أيضاً لبريطانيا بعرض درجة من القوة الناعمة والقرب التي لا يستطيع معظم منافسيها التجاريين مضاهاتها.

في يوليو, أشار مسئولون سعوديون إلى أن العمل التحضيري كان قائماً بالفعل على إتفاقية تجارة حرة بين بريطانيا ومجلس التعاون الخليجي. هذه الإتفاقية مُرجحة لأن تبرز بشدة على أجندة زيارة ماي للبحرين هذا الأسبوع, وخاصة لأن الآمال السابقة بأن بريطانيا قد تتوصل إلى إتفاقيات تجارية مشابهة مع شركاء دوليين آخرين, مثل أستراليا, قد قوبلت بالرفض. على الرغم من أن التقدم في أية محادثات مع مجلس التعاون الخليجي مُرجح لأن يبطؤه نقص المفاوضين التجاريين البريطانيين والغموض الذي يحيط بقدرة بريطانيا على التوصل لإتفاق ثنائي حتى يتم اكتمال انسحابها من الإتحاد الأوروبي, توجد لحظة من الفرصة الجيوسياسية أمام ماي وحكومتها – بالنظر إلى المشهد السياسي في فرنسا والولايات المتحدة, وهما دولتان تمتلكان حصص كبرى في الخليج.

منذ 2013, عمل هولاند جاهداً ليجعل فرنسا الشريك الأوروبي الوطيد لمجلس التعاون الخليجي, وهو ما عُبر عنه بمشاركة هولاند, كضيف شرف للملك سلمان, في القمة التشاورية النصف سنوية لمجلس التعاون الخليجي في الرياض في أبريل 2015. لكن مع إعلان هولاند إنه لن يعيد الترشح للانتخابات العام المقبل – كانت فرصه ضئيلة أصلاً إذا أعاد الترشح بالنظر إلى شعبيته المنخفضة – قد يتوقف الانتشار الفرنسي في مجلس التعاون الخليجي. سوف يستغرق خليفة هولاند وقتاً لكي ينمي علاقاته مع قادة مجلس التعاون الخليجي, خاصة إذا استمرت شعبية مارين لوبان مرشحة اليمين المتطرف في الارتفاع في السياسة الغربية وفازت بالرئاسة. 

إن الانتصار الانتخابي المذهل لدونالد ترامب في الولايات المتحدة يقدم أيضاً فرصة لبريطانيا, إذا تسببت رئاسة ترامب غير القابلة للتنبؤ في دفع حكام الخليج لتسريع جهودهم من أجل تنويع علاقاتهم السياسية والاقتصادية والأمنية. لقد تعرضت العلاقات الأمريكية-الخليجية لضغوط خلال حكم أوباما, وخاصة حول الإتفاق النووي الإيراني وسلوك واشنطن خلال الربيع العربي. لكن في حين أن الكثير من النخب الحاكمة في العواصم الخليجية تطلعت صراحة لإعادة بناء العلاقات مع الإدارة الجديدة, إلا أن القليل منها توقع أن تكون مع رئيس كان برنامج سياسته الخارجية غامض ومبهم.

عن طريق تقديم نفسها كقائدة عقلانية وتركز على النتائج, يمكن أن تستفيد ماي من التقلب السياسي غير المسبوق في العواصم الغربية الأخرى. الاستثناء الوحيد هو أنجيلا ميركل, في حال فازت بولاية رابعة كمستشارة في انتخابات ألمانيا العام المقبل. لكن ميركل مسلوبة القوة لأن عليها التفاوض مع مجلس التعاون الخليجي من خلال إطار العمل الخاص بالإتحاد الأوروبي, والذي تسبب في خلاف كبير داخل العواصم الخليجية من خلال الفشل المتواصل على مدار 26 عاماً في التوصل لإتفاقية تجارة بين الإتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي. إن التقدم في علاقات الإتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي كان يُحجمه تفضيل القادة الأوروبيين للتعامل بشكل ثنائي مع نظرائهم الخليجيين. من المرجح جداً أن بريطانيا المحررة من قيود الإتحاد الأوروبي سوف تمنح الأولوية لإتفاقية تجارة مع مجلس التعاون الخليجي كحل سريع محتمل عقب خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي.

المصدر / world politics review

ترجمة / الرؤية

Facebook Comments