ال سعود 2

 خاص / 

المحلل السياسي / باسم العوادي

 لم تُقدم المملكة السعودية، وبعد مضي 48 ساعة أي مبرر شرعي أو منطقي دفعها في النهاية لتنفيذ حكم الإعدام بالشيخ “نمر باقر النمر”، حيث اعتقل في 8 يوليو/تموز 2012، وحكم عليه بالقتل تعزيرا في 15 اكتوبر/ تشرين الأول 2014، من قبل المحكمة الجزائية ، وصادقت المحكمة العليا بعد سنة في 25 اكتوبر / تشرين الأول 2015  على الحكم بصورة قطعية، وسبب الحكم هو الخروج على ولي الأمر وإثارة الفتنة.

كانت السعودية تعلم بعد مضي 3 سنوات على وجودة في السجن وطبيعة الحكم الجائر بأن تنفيذ هذا الحكم سيقود الى تداعيات كبيرة داخلية وخارجية، وأنه قد يؤدي الى إشعال فتنة طائفية كبيرة في المنطقة، ناهيك عن ن أسباب الحكم غير صحيحة إطلاقا، فالخروج على ولي الأمر، شرعا وعرفا، لاينطبق إلا على من ينقض البيعة ويخرج بالسيف، وليس على من يعارض لأسباب سياسية، وهو يعترف بالدولة والنظام، و يتسلح بالسلم والحوار والدعوة للمطالبة بالحقوق قولا.

وقد أكدت السعودية بأنها لا تملك المبرر الشرعي أو القانوني لإعدامة عندما حشرت أسمه وتنفيذ حكمه مع مجموعة إرهابية ونص بيانها الرسمي على تنفيذ الحكم بهم لأسباب إرهابية، وهو قطعا لم يكن مشمولا بهذا العنوان.

ويمكن تفسير إقدام السعودية على إعدام الشيخ النمر لأحد أربعة أسباب خاصة أو جميعها في آن واحد وهي:

 الأول : هاجس الأمن الداخلي :ــ

لم تواجه السعودية خلال المرحلة الماضية خصما عنيدا وشجاعا في إنتقاد سياستها بل وشخوص أفرادها كما فعل الشيخ النمر رحمه الله تعالى ، إذ تحول الى إيقونة في المطالبة بالحقوق المدنية في السعودية ، والنظام السعودي كما هو معروف نظام عشائري مذهبي أمني مخابراتي، لم يسمح بالمعارضة باي شكل من الأشكال خلال  العقود الثمانية الماضية من عمره، لذلك كانت مسألة التخلص منه قضية محسومة بالنسبة للعائلة المالكة وسياستها القديمة، لكي لا يتحول الى نموذج يمكن أن يحتذى من قبل زعماء طوائف إسلامية اخرى أو جماعات أو أحزاب مدنية أو حتى داخل المؤسسة الوهابية نفسها.

كذلك، فأن المصادر تؤكد على أن الشيخ النمر كان تقريبا هو الأكثر أندفاعا في التفاعل مع الأحداث التي شهدتها المنطقة الشرقية “والعوامية “خصوصا خلال فترة إندلاع ما يعرف بالربيع العربي، بالإضافة الى مسألة حساسة تتخوف منها السعودية وهي بروز قائد شيعي بهذا المستوى من الشجاعة والجرأة قد يحوله الى نصر الله او حوثي في داخل الجسد السعودي هذه المرة، أو قد يولد مستقبلا حركة شيعية صلبة ومتماسكة يمكن أن تفرض رؤيتها فيما يتعلق بالمنطقة الشرقية الحساسة للعالم أجمع والتي يأتي من تحتها غالبية الثروة النفطية التي تتمتع بها السعودية، لذلك فالتخلص من الشيخ النمر وفقا لحسابات داخلية كثيرة، هو تحصيل حاصل، لايمكن لآل سعود ان يغمضوا أعينهم عنه بسهولة وفقا لحساباتهم الآنية والمستقبلية.

 الثاني : الإنتقام الشخصي:ــ

بتاريخ 16 يونيو/حزيران عام 2012 بعد وفاة ولي العهد السابق ووزير الداخلية حينها الأمير نايف بن عبد العزيز، القى الشيخ النمر خطبة نارية، إنتقد فيها ولي العهد المتوفي  نايف بن عبد العزيز بقوة وجسارة، وعبر في الخطبة ذاتها عن استيائه لاختيار الأمير حينها سلمان بن عبد العزيز ولياً للعهد خلفاً له.

بعدها بـ 22 يوما فقط اعتقل النمر في 8 يوليو/تموز عام 2012، وحكم عليه بالإعدام بحكم أولي غير نهائي في عهد الملك عبد الله ، إلا أنه وبعد أن تولى الملك سلمان السلطة في 23 كانون الثاني 2015 ، وبعد أن أكمل ترتيبات الحكم وأبعد تيار أخوه الملك السابق عبد الله بن عبد العزيز بالكامل، وعين الأمير محمد بن نايف وليا للعهد في 29 نيسان 2015، وبعدها بـ 5 أشهر فقط صادقت المحكمة العليا على الحكم بصورة قطعية نهائية .

من متابعة بسيطة لتسلسل التواريخ أعلاه وفترة إعتقال الشيخ النمر، يتضح أن مسألة الإنتقام الشخصي من قبل الجناح السديري الذي يتزعم السلطة الآن في المملكة بدون منازع من أي جناح سعودي آخر واضحة ومنطقية، والأناشيد السياسية التي بثت خلال اليومين الماضيين في بعض القنوات السعودية والتي ركزت على محمد بن نايف وأبوه مدحا وتأليها، تعطي أنطباع واضح بأن ولي العهد ووزير الداخلية والمشرف على المؤسسات العدلية والقضائية والداخلية هو من أنتقم لأبوه وأعمامه وعموم جناحهم السديري من الشيخ النمر الذي أنتقدهم علانية، وقد أكد أكثر من طرف معارض سعودي في الخارج هذا المعنى .

ثالثا ـ التحدي الإيراني:ــ

ذهب بعض المحللين السياسيين إلى أن ما أقدمت عليه السعودية هو مخطط لإستفزاز إيران، وجرها الى مستنقع مواجهة مباشرة ساخن بعد أن هيأت السعودية ظروف المنطقة بما يناسبها؟!

ولا أعتقد بصحة هذا الموضوع إطلاقا، لأنه يستدعي أن تكون السعودية قد خططت بكل دقة لتفاصيل الموضوع بدءاً من إنشاء تحالفها الإسلامي المزعوم كمقدمة، ثم الإنفتاح على تركيا، وتهيئة الساحة الخليجية لمثل هذا الحدث، وقراءة أبعاده وتأثيره على إيران مقدما، وتوقع ردة الفعل الإيراني من جهة، والأممي من جهة أخرى، ثم بعد ذلك وقتت تأريخ الإعدام لكي تستثمر العوامل التي رسمتها وخططت لها بدقة، من أجل جر إيران الى مواجهة سياسية ساخنة مباشرة لاتكون في صالح إيران، أو حتى مواجهة عسكرية تعيد خارطة الإصطفافات الطائفية في المنطقة او خارجها، وتجبر من هم معها على كل المستويات بالوقوف خلفها بالضد من إيران لأسباب طائفية بحتة، قد تفرضها شعوب تلك الحكومات المتأثرة بزخم الإعلام الوهابي السعودي، وإن لم تكن الحكومات بذاتها مقتنعة بالموقف السعودي.

هذا الإستقراء يتطلب أن تكون القيادة السعودية بمنتهى الذكاء والعبقرية، وهذا ما لم يعهد عنها إطلاقا، حيث أعتمدت كل سياستها على رد الفعل، أو التكليف المباشر من المؤسسات والأجهزة الغربية، وأن عملت بمفردها فهي لا تجيد غير استخدام العنصر الديني الطائفي والمجموعات السلفية التكفيرية للإضرار بالآخر.

نعم عملية إعدام الشيخ النمر بهذه الطريقة الإنتقامية الشخصية قد استفزت إيران عاطفيا، ولكنها لم تستفز إيران النووية عسكريا أو سياسيا ، ولايمكن أن يكون البدوي الفارغ أكثر ذكاءا وصبرا من صانع السجاد الكاشاني.

وردة الفعل السعودي بقطع العلاقات وبعض الحركات الأخرى للحفاظ على ماء الوجه السياسي، وإظهار بعض علامات القوة والتماسك، وإنسجاما مع الدور التمثيلي الجديد الذي يحاول الملك سلمان وأبنه محمد، أن يظهروه في المنطقة بالقوة والخشونة والإستعداد للإحتمالات السيئة، فيما أن الوقائع على الخرائط المتورطة فيها السعودية تثبت عكس ذلك بالكامل، وأن تسخين العلاقة بين إيران والسعودية، يصب في صالح إيران على المدى المتوسط والبعيد.

فإعدام النمر سعوديا على العكس من النظرة أعلاه ، سيضر بالسعودية حسب الكثير من التوقعات أكثر مستقبلا كحدث، وبالخصوص فيما يتعلق بعلاقتها كعائلة حاكمة بالأقلية الشيعية القوية في المنطقة الشرقية وروح الرفض لهم ، فالثورة دائما بحاجة الى دماء نقية تسقي شجرتها وقد روت السعودية بيدها تلك الشجرة دما وستدفع ثمن ذلك داخليا.

رابعا : إرضاء المؤسسة الدينية: ــ

أؤمن بأن الحادث كان لأرضاء المؤسسة الدينية الوهابية بشقيها ( الموالي والمعارض)، فإعدام 47 وهابيا، أغلبهم من أبناء المؤسسة الوهابية وإن كانوا قد رفعوا السلاح على آل سعود، ورفض بعضهم الإستتابة، وبهذا العدد جملة واحدة ، سيخلق تصدعات في جدار هذه المؤسسة غير المتزنة، لذلك حشرت العائلة السعودية أربعة شيعة من ضمنهم الشيخ النمر في القائمة، وهي تعلم بأن حادثة إعدام النمر  ستطغي على البقية وستأخذ المساحة الإعلامية كاملا، فيما يدفع ذلك بالمؤسسة الوهابية بالوقوف خلف العائلة المالكة طائفيا والسكوت عن الضحايا البقية وعدم متابعة شؤونهم فيما اذا كانوا مستحقين فعلا للإعدام أم لا؟؟؟

تقريبا نجح هذا المخطط وإصطفت المدرسة الوهابية بالكامل داخليا وخارجيا خلف السعودية، حتى المتطرفة والمعارضة من سلفية بقية الدول العربية، والتي رفضت الإعدامات لكنها غمست الموضوع بالصبغة الطائفية، بل ان معارضا سعوديا معروفا كسعد الفقية غرد منسجما مع السعار الطائفي بان الإعدامات بالأصل لإرضاء الشيعة بالضد من الوهابية في معادلة إعدام شيعي واحد مقابل عشرة وهابية ؟!

نعم، خططت السعودية، واستطاعت أن توجه ضربة قاصمة لمعارضيها في الداخل والخارج من السلفية الجهادية تحت يافطة الصراع مع إيران والشيعة بإعدام الشيخ النمر.

ولايفوت بأن ولي العهد الحالي، محمد بن نايف، يتتبع خطى والده نايف، الذي كان يعتبر الحضن الدافئ للمؤسسة الدينية، والتي كانت ترى فيه الشخصية الطائفية المقتدرة والقادرة على ترجمة حقدها وكرهها بالخصوص للشيعة، وان محمد بن نايف يحاول جاهدا أن يَسلك خُطى والده لكي يُبقي الدعم الوهابي الخاص له شخصيا من المؤسسة الدينية، بالخصوص في حلبة صراع الأجنحة داخل العائلة ومستجدات المستقبل.

Facebook Comments